...
IMG 20260225 WA0092

 

الكاتب حسين العلي 

 

قفْ على أعتابِ رُوحكَ وقفةَ المتأمل، ونحِّ عنكَ ضجيجَ العالَمِ قليلاً، لتبصرَ في سكونِ ليلِكَ ما حجبتهُ عنكَ أنوارُ نهارِك، واعلمْ أنَّ ميزانَ الرَّجُلِ لُبُّهُ، وزينةَ المَرءِ خُلُقُه.

لا تَجزعنَّ من نائباتِ الدَّهرِ إذا حلَّتْ بساحتِك، فما النَّوائبُ إلا مَحكّاتٌ تُميزُ الخبيثَ من الطيِّب، ولا يُعرفُ صَفاءُ الذهبِ إلا بِلَهيبِ النار. إنَّ النفوسَ الكبيرةَ تصهرُها الآلامُ فتزدادُ مَضاءً، والنفوسَ الصغيرةَ تُفتِّتُها الأزماتُ فتغدو هباءً. فكنْ كالجبلِ الأشمِّ، تصفعهُ الرياحُ العاتيةُ فلا يزدادُ إلا رُسوخاً، واعلمْ أنَّ الصبرَ ليسَ استسلاماً لِلقَدَر، بل هوَ ثباتُ القلبِ في مَهبِّ العاصفةِ حتى ينجلي غُبارُها.

إنَّ العمرَ ليسَ بعددِ السنينِ التي أكلتَ فيها وشربتَ، بل بعددِ القلوبِ التي جَبرتَ كسرَها، والأنفُسِ التي كنتَ لها مَلاذاً. غداً سَتغادرُ الحفلَ، ولن يصحبكَ من مَتاعِ الدنيا سِوى كَفنٍ أبيضَ وعَملٍ صالحٍ يُنيرُ لكَ وحشةَ اللحد. فاحرصْ أن تتركَ وراءكَ أثراً يَفوحُ طِيباً، وكلمةً تزرعُ أملاً، فما خُلقنا لنحيا لأنفسِنا، بل لنكونَ غيثاً أينما وَقَعَ نَفعُه.

عجباً لِمَن يغسلُ ثوبَهُ كلَّ يومٍ لِيبدوَ طاهراً أمامَ الخَلق، ويتركُ قلبَهُ مرتعاً للأضغانِ والحسد! إنَّ الجمالَ الذي لا يسكنُ الروحَ هو قِناعٌ سرعانَ ما يَبلى، وإنَّ الكلمةَ التي لا تخرجُ من مِشكاةِ الصدقِ هي صدىً بلا صوت. فاجعلْ مَخبرَكَ أزكى من مَظهرِك، وخلوتَكَ أطهرَ من جَلوتِك، فإنَّ الخلائقَ تنظرُ إلى السُّور، والخالقَ ينظرُ إلى ما وراءَ السُّور.

الحياةُ قصيرةٌ جداً لِنقضيَها في ملاحقةِ الضغينة، وعظيمةٌ جداً لِنُضيِّعَها في سَفاسفِ الأمور؛ فكُنْ كالنجم، عالياً في السَّماء، ولكنَّ خيالَهُ يلامسُ وجهَ الماءِ في تواضعٍ وجَلال.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *