الكاتبه المحبة لله
في بيتٍ دافئ تملؤه الضحكات، كانت منار قلب الأسرة النابض، ودفئها الذي يحيط بالجميع. لم تكن تعلم أن القدر يخبئ لها امتحانًا قاسيًا؛ لكن حبها كان أقوى من كل وجع، فبعض القلوب تخلق لتحب حتى آخر نبضة بل وبعدها.
كانت منار امرأة في السابعة والثلاثين من عمرها، ذات عينين عسليتين تشعّان حنانًا، وشعر أسود لامع ينسدل برقة على كتفيها. رزقها الله بطفلين: حسام، ذو العشر سنوات، وهدى التي تصغره بتسعة أعوام. وكان زوجها أحمد في الأربعين من عمره، رجلاً وسيمًا بعينين زرقاوين وقلب يفيض حبًا لأسرته.
في صباحٍ هادئ، ارتفع صوت منار برفق:
— تعالي يا هدى، لا تتعبي قلب أمك.
— حاضر يا أمي، لن تغضبي مني أليس كذلك؟
— لا يا صغيرتي، أنتِ نور عيني.
كان البيت يمتلئ بحركة الأطفال وضحكاتهم، وأحمد يراقب المشهد بابتسامة:
— ما بالكِ يا حبيبتي ترفعين صوتك منذ الصباح؟
— أشعر بالتعب قليلًا.. الأطفال أرهقوني.
— إنهم يحبونكِ فقط، وسيصبحون أكثر هدوءًا من أجلكِ.
وكان فعلًا، حين جمعهم أحمد وقال لهم بحزمٍ لطيف:
— أمكم تتعب من أجلكم، فلا تحزنوها.
فأجاب حسام:
— سأسمع كلامها حتى لا تتعب.
وقالت هدى:
— وأنا سأنهي واجباتي وألعب دون أن أزعجها.
ابتسمت منار، وقلبها يرفرف فرحًا بهم.
مرت الأيام هادئة إلى أن بدأ التعب يتسلل إلى جسدها خفية. ظنته إرهاقًا عابرًا من أعمال البيت، لكن الألم اشتد بها وقصدت الطبيب، وبعد الفحوصات، جلس أمامها بوجهٍ حزين:
— يؤسفني يا سيدتي… المرض في مراحله الأخيرة.
ساد صمتٌ ثقيل، لكنها رفعت رأسها بثبات:
— كلُّ نفسٍ ذائقة الموت… كم بقى لي تقريبًا؟
أجاب الطبيب بصوت متردد:
— أشهر قليلة… والأجل بيد الله.
خرجت منار بقلب يرتجف، لكنها تماسكت. لم تخشَ الموت؛ بل خشيت الفراق. عادت إلى بيتها، احتضنت قميص أحمد، وانفجرت بالبكاء قائلة:
“ستشتاق روحي إليك يا أحمد، لكن حبي لك لن يموت.”
أخفت مرضها عنهم وقررت أن تملأ أيامها الباقية حبًا؛ فأعدت الطعام، وابتسمت رغم الألم، وذهبت معهم إلى الحديقة قبل سفر أحمد بأيام، وضحكت كما لو أن الحياة لا تحمل سوى الفرح؛ لكن المرض كان يسرق منها شيئًا فشيئًا. تساقط شعرها، ونحل جسدها؛ حتى لاحظ أحمد ذات مساء:
— ما بكِ يا منار؟ وجهكِ شاحب.
تنهدت، ودموعها تلمع:
— هذه آخر لحظاتي يا أحمد.. أنا مريضة بالسرطان.
تجمّد الزمن في عينيه وكاد يقع من هول الصدمة: منذ متى وأنتِ تخفين عني؟
ابتسمت بحب وأردفت: لم أرد أن أرى الحزن في عينيك أو أقلقك عليّ، سامحني.
أجابها بألم شديد: كيف تقولين هذا الكلام؟ ألا يتوجب عليّ البقاء معك أو مساندتك على الأقل؟ هذه أنانية منكِ!
احتوت وجهه بين راحة يديها قائلة: سعادتكم كانت تهون عليّ ما مررت به، صدقني، حتى إن تواجدك معي هو ما يمدني بالقوة لأتحمل الألم؛ لكن هناك ما هو أصعب من المرض، إنه الفراق، لا يمكنني أن أراك بحالتك الآن. إلى أن أغادر تلك الحياة الفانية لدي طلب صغير منك.
فكانت عيناه هي التي أجابت بترقرق الدموع فيها، وأجلسها وهو يستمع إليها حين قالت: لا أريدك أن تحزن عليّ كثيرًا وتهتم بنفسك وأولادنا، فنعم إن تزوجت عليّ سأغار بشدة لدرجة أنني أريد أن أخرج لأفتك بك ولها؛ لكن ليس من حقي أن أردعك عن إكمال حياتك من بعدي وهذا ما أريده حقًا.
فأخذها بين ذراعيه وهو لا يمكنه الحديث، وعيناه تفيض شجنًا ومرارة لمجرد تخيل ذاك اليوم يقبل عليه. وفي ليلة هادئة، أسلمت روحها إلى بارئها.
صرخ أحمد، وارتجّ البيت حزنًا، لكن الأطفال لم يعلموا أن العالم تغير إلى الأبد. مرت السنوات ثقيلة. لم يتزوج أحمد بعد رحيلها، وربى أبناءه بوفاء نادر، يقرأ لها القرآن، ويدعو لها كل ليلة؛ حتى أمّ منار لم تحتمل الفراق، فلحقت بابنتها بعد أيام.
وذات مساء، فتح أحمد رسالة كانت قد كتبتها قبل رحيلها:
“إلى زوجي وحبيبي وسندي.. لا تحزن على فراقي، تزوج إن وجدت في الزواج راحة لك ولأطفالنا أو تعويضًا عني. أحببتك حبًا لن ينتهي بالموت؛ بل سيظل حيًا ما دامت الروح تعرف طريقها إليك، وإن غرت عليك يومًا، فاعلم أن غيرتي من شدة حبي. أحبك إلى الأبد… منار.”
بكى طويلاً، لكنه ظل وفيًّا لذكراها؛ حتى لحق بها بعد سنوات.
كبر الأطفال، وتزوجوا، وصار لكلٍّ منهم بيتٌ وأسرة. أسمت هدى ابنتها “منار” ليبقى الاسم حيًّا كما بقي الحب.
قد تمضي الأجساد، وتفنى الأيام؛ لكن الحب الصادق لا يموت.
يبقى أثرًا في القلوب، ونورًا في الذاكرة، ودعاءً يتردد في الغيب.
وهكذا كان حب منار حبًّا لا يموت.
![]()
