الكاتبة نوران عمرو
كل عام نستقبل رمضان وكأننا نستقبل ضيفًا عزيزًا.
نُزيّن له البيوت، نُعدّ له القوائم، نخطط كيف سنكون فيه أفضل.
لكن الحقيقة؟
رمضان لا يأتي ليُغيّرنا… بل ليكشفنا.
يكشف علاقتنا بأنفسنا،
بطاقتنا،
بصبرنا،
وبقدرتنا على الاحتمال دون شكوى.
الصيام ليس بطولة في مقاومة الجوع،
بل اختبار في مقاومة الانفعال.
ليس امتناعًا عن الطعام فقط،
بل امتناعًا عن الرد السريع، عن الغضب السريع، عن الحكم السريع.
في الأيام الأولى، نظن أن المعركة مع المعدة.
ثم نكتشف أنها مع اللسان.
ثم نكتشف أنها مع أفكارنا.
ثم نفهم أن الصيام الحقيقي… صيام القلب.
رمضان مرآة.
إن كنت مزدحمًا من الداخل، سيُظهر لك ازدحامك.
وإن كنت مُنهكًا، سيجعلك ترى إنهاكك بوضوح.
وإن كنت تبحث عن معنى، سيمنحك مساحة لتجده.
هو شهر لا يطلب منك أن تصبح ملاكًا.
بل أن تكون صادقًا.
صادقًا مع تقصيرك،
مع تعبك،
مع أخطائك الصغيرة التي اعتدت تأجيل الاعتراف بها.
ربما لهذا نشعر أحيانًا بثقل في منتصف الشهر.
ليس لأننا تعبنا من الصيام…
بل لأننا بدأنا نرى أنفسنا بوضوح أكبر.
رمضان ليس موسم عبادة مؤقتًا.
هو تدريب سنوي على أن نعود إلى أصلنا.
أن نُعيد ترتيب أولوياتنا.
أن نسأل:
ماذا نريد فعلًا؟
وماذا نفعل فقط لأن الجميع يفعل؟
وفي نهايته، لا تُقاس نجاحاتنا بعدد الختمات،
ولا بعدد الموائد،
ولا بعدد الدعوات التي حضرناها.
بل بشيء واحد فقط:
هل خرجنا منه أخفّ؟
أكثر اتزانًا؟
أقرب لأنفسنا؟
لأن رمضان…
حين يكون حقيقيًا،
لا يمرّ بنا.
بل يمرّ داخلنا.
![]()
