الكاتبة نوران عمرو
في كل عام نقول الجملة نفسها:
“رمضان السنة دي مختلف.”
نقولها بحماس، أو برجاء، أو حتى بخوف خفيف لا نعترف به.
لكن ماذا لو سألنا سؤالًا أبسط وأصدق؟
ماذا لو كان هذا… آخر رمضان؟
ليس سؤالًا للتشاؤم.
ولا دعوة للحزن.
بل محاولة لنعيش الشهر بوعي أكبر.
نحن نتعامل مع رمضان وكأنه مضمون.
نؤجل أشياء كثيرة لمنتصفه.
ثم نؤجلها للعشر الأواخر.
ثم نعد أنفسنا أن العام القادم سيكون أفضل.
لكن فكرة “آخر رمضان” تغيّر كل شيء.
تجعل الدعاء أصدق.
والاعتذار أسرع.
والحضن أطول.
تجعلنا ننتبه للتفاصيل التي تمرّ كل عام بلا انتباه:
رائحة البيت قبل المغرب،
صوت الأذان الذي يسبق أول رشفة ماء،
الرسائل البسيطة التي نتبادلها مع من نحب.
لو كان هذا آخر رمضان،
هل كنا سننشغل بنفس القدر بالمسلسلات؟
بالسوشيال ميديا؟
بالجدال حول أمور لن تغيّر شيئًا في قلوبنا؟
أم كنا سنهدأ أكثر؟
نصفح أسرع؟
نصلّي وكأننا نفهم فعلًا معنى الوقوف؟
“آخر رمضان” لا يعني نهاية مخيفة،
بل يعني حضورًا كاملًا.
أن نصلي التراويح ونحن واعون بكل آية.
أن نقرأ القرآن لا لنُنهيه… بل لنسمعه.
أن نتصدّق لا لنشعر بالإنجاز، بل لنشعر بالمسؤولية.
أن نقول لمن نحب:
“أنا ممتن لوجودك”
دون انتظار مناسبة.
ربما المشكلة أننا نعيش وكأن الوقت واسع بلا حدود.
فنؤجل المشاعر،
ونؤجل المصالحة،
ونؤجل حتى التوبة.
لكن فكرة “الأخير” تجعل كل لحظة ثمينة.
في آخر أيام رمضان، نشعر بحنين غريب.
نحزن لأن الشهر يرحل.
لكن ربما الحزن الحقيقي ليس على رمضان…
بل على النسخة الصافية منا التي نخشى أن تضيع بعده.
لو كان هذا آخر رمضان،
أتمنى أن نعيشه بلا استعراض.
بلا ضغط مثالي.
بلا مقارنة.
أن نخرج منه أخفّ ذنبًا،
أهدأ قلبًا،
وأكثر لطفًا.
وحتى لو لم يكن الأخير فعلًا…
فهو لن يعود أبدًا بنفس التفاصيل،
بنفس الأشخاص،
بنفس الظروف.
كل رمضان يمرّ… نسخة لا تتكرر.
والسؤال الذي يستحق أن نسأله لأنفسنا قبل أن ينتهي:
لو كان هذا آخر رمضان،
هل عشنا كما يجب؟
أم انشغلنا بما لا يبقى؟
رمضان لا يُقاس بعدد الأيام التي صمناها،
بل بعدد القلوب التي أصلحناها…
وأولها قلوبنا.
![]()
