الكاتبه رحاب أبوالسعود
الآن وبعد اكتمال الحلم وتخرجي من كلية الهندسة،
صار لي أسبوع أحمل شهادة تخرجي “بكالوريوس الهندسة الطبية”، التي حصلت فيها على تقدير مقبول، وأنهيت دراسة الخمسة أعوام في سبعة.
منذ رسوبي بعامي الثالث، وبعدها رسوبي بالنهائي، وتغيرت معاملة والدي.. الدلال والفخر انقلبا للتضاد.
كل يوم تطاردني أشباح الأفكار المظلمة، وتعلو نبضات قلبي، ويزداد ارتجاف جسدي من البرودة التي تصيبني من وقت لآخر، كلما تحادثنا أو اجتمعنا بنهاية كل أسبوع.. أنزل فيه يومي الخميس والجمعة.
داخل غرفتي،
سحبت غطائي، وضعته على وجهي، حاولت غلق أذني، لا أريد أن أسمع صداها.. أصوات قاسية أربكت حياتي في السابق.
كلمات والدي تغيم فوق سمائي، تُمطر قهرًا ورعدًا، وفزعًا:
“أنت فاشل، لن تفلح،
أنت مهمل ومستهتر،
انظر لأبناء عمك وجيرانك، جميعهم أفضل منك، لن تفلح، لن أرى فيك شيئًا، سوف تخذلني كالعادة.”
ترك وحوشًا تنهش روحي، ترك جبالًا من الشك والهواجس في نفسي تصارعني.
أخيرًا.. بعد الوصول للنهاية،
افتقدت طريقي، ضاعت ملامح حلمي، وسعادتي كانت مؤقتة بنجاحي الهزيل الذي لن يرضيه.
ترددت يوم النتيجة؛ بين إخباره أو فزعي من غضبه،
لكني استجمعت قوتي وقررت إخباره.
وعندما سافرت من القاهرة إلى الإسكندرية.. كان قد مرض وانتقل للمشفى.
لم أعلم أنه كان مريضًا من قبل.
ولحظة وصولي، كان الأطباء والممرضون يركضون بين ممرات المشفى، يتخبطون.
أخرجوا أمي من غرفته ومنعوني من الدخول إليه..
بحثت عن أحد أتحدث معه،
الجميع متوتر، يبحثون عن شخص ما.
سألت طبيبًا رأيته خارجًا من الغرفة: ما الذي حدث؟
_ حدث عطل ما بجهاز الإيكوم، ولا يوجد مهندس،
وحالة والدك حرجة وتحتاج الجهاز لتنقية الرئة.
وقفت، والدهشة والقلق يغيمان على عقلي، هل حالة أبي وصلت لتلك النهاية دون علمي؟
كيف لم أشعر به، وقد كان يغيب عن جلساتنا المسائية وأوقات الطعام؟ كنت أظنه يعاقبني بالتجاهل واللامبالاة.. لذلك تملكني سوء الظن، كنت أتجنب أنا الآخر مقابلته..
لم أسأل يومًا عن سبب تناوله طعامًا خاصًا به.
سقطت دموعي.. استندت على الجدار، وأنا أنتفض من الخوف والضعف والشعور بالتقصير نحوه.
وضعت يدها على كتفي:
_ لا أريد انهزامك الآن، أنت ولدي الوحيد.. أريد رجلًا يتحمل معي عبء الذهاب بوالدك لمشفى آخر لديه هذا الجهاز.
بكيت بشدة، فأنا أعلم جيدًا خطورة هذا الجهاز، ودقة استخدامه.
_ هل ستبكي كالإناث؟
وتنهار وتنغلق على نفسك كعادتك إذا سمعت كلمة قاسية، أم تقف في ظهري يا “وحيد”؟
نظرت أمي بعيني، وسحبتني معها لداخل الغرفة، وأمرت طاقم التمريض والأطباء بقوة لم أعهدها بها:
_ أريد سيارة إسعاف مجهزة لنقل زوجي لمشفى آخر.. وإذا حدثت أي مضاعفات أو خطر على حياته، سوف أقاضي الجميع، ولن أترك الإهمال الذي واجهناه لديكم؛ إلا وقد عرفت مصر كلها عنه.
وسط الجدال والصراخ، وقفت أنا أمام الجهاز.. دراستي وتخصصي الأجهزة التكنولوجية والتقنيات الطبية.
اقتربت بيد مرتعشة، فحصته.. كانت بعض الأسلاك مفصولة، والمضخة بها عطل بسيط، قمت بإصلاحه، وساعدني أحد الممرضين بأدوات بسيطة.. وبدأ الجهاز في العمل.
صمتت أمي وكل من بالغرفة، ونظرت إلي ودموعها تسيل،
تتابعني بشغف وفخر، والأطباء يديرون جهاز الإيكوم “ECOM”.
وحين تأكدوا من سلامة عملية سحب الدم من الجسم لتنقيته من ثاني أكسيد الكربون، وضخ الأكسجين بالجسم لتنقية الرئة.. شكرني الطبيب.
خرج والدي، وأول ما قدمته كانت شهادة تخرجي بتقدير المقبول، وقد خرجت أنا أيضًا من دائرة أوهامي، وقررت الحياة ومواجهتها، وعدم استسلامي لظنون ليس لها أصل إلا في خيالي فقط.
وقال أبي:
“بني، أنا أحبك بالأمتياز أو المقبول، ستظل دائمًا ابني الغالي، والآن أنت من أنقذ حياتي، سامحني، كنت أظن أني أشحن همتك وأثير لديك الغيرة الجيدة كي تجتهد.. ونسيت يا ولدي بأنك تبذل جهدك وتحب ما تعمل، وهذا يكفي.
![]()
