الكاتبة علياء فتحي السيد (نبض)
يقولون أن الحب حياة، لكنهم لم يخبرونا عن ذلك النوع من الحب الذي يشبه الوقوف على حافة الهاوية؛ تنظر إلى الأسفل فترى جمالًا يسلب العقول، وتنظر خلفك فتجد جدارًا من الواقع يمنعك من التقدم أو التراجع. هذا هو وجع الحب المستحيل.
إنه الوجع الذي لا يترك أثرًا على الجسد، لكنه يُهشّم العظام من الداخل. أن تحب شخصًا يسكن في مدار غير مدارك، أن تراه في كل الوجوه، وتسمع صوته في صمت الليالي، بينما تعلم يقينًا أن فجوةً بينكما لا يعبرها جسر، ولا يمحوها تمنٍّ. هي تلك الغصّة التي تبتلعها كلما سألك أحدهم: “كيف حال قلبك؟” فتجيب بابتسامة باهتة: “بخير”، بينما قلبك يصرخ في زنزانة الظروف.
في الحب المستحيل، تعيش حربًا عالمية داخل صدرك. عقلك يرتدي ثوب القاضي ببروده المعتاد، يلقي عليك محاضرة في المنطق والواقع والنصيب، يخبرك أن المسافة أبعد من أن تُطوى، وأن الظروف أقوى من أن تُكسر. أما قلبك، فيبقى كطفل عنيد يتعلق بطرف ثوب أمه؛ لا يفهم لغة المستحيل، ولا يؤمن بقوانين الجاذبية، بل يصرّ على النبض لاسمٍ واحد، حتى لو كان هذا النبض هو طعنته الأخيرة.
أصعب أنواع الفراق ليس الذي تنتهي فيه الحكاية بالوداع، بل الذي تظل فيه الحكاية معلقة بين “ليت” و”لو”.. حيث لا لقاء يُرتجى، ولا نسيانٌ يُطاع.
أن تحب مستحيلًا يعني أنك أصبحت لاجئًا عاطفيًا. تعيش في تفاصيلهم، تتابع أخبارهم من بعيد، تشمّ عطرهم في قصيدة أو أغنية، لكنك لا تملك حق الاقتراب. تشعر أنك تملك الدنيا حين يبتسمون، وتدرك أنك لا تملك شيئًا حين تتذكر أن تلك الابتسامة ليست لك، أو أنها لن تكون يومًا من نصيبك الدائم.
ورغم كل هذا المرار، يظل للحب المستحيل قدسية خاصة. فهو حبٌّ لم يلوثه روتين الأيام، ولم تكسره خيبات العشرة. هو حبٌّ يظل طاهرًا نقيًا، ومؤلمًا حدّ الجمال. هو ذاك السر الذي تخبئه عن العالم، وتلجأ إليه في خلوتك لتبكي وتضحك في آن واحد، مدركًا أنك رغم الوجع، كنت محظوظًا لأنك شعرت بكل هذا القدر من الحياة.. حتى لو كانت حياةً ممنوعة من الصرف.
الحب المستحيل ليس مجرد شعور عابر، بل هو نزيف هادئ في زوايا الروح، حيث يجتمع أقصى درجات القرب الوجداني مع أبعد مسافات الواقع.
الحب المستحيل ليس هزيمة، بل هو انتصار للروح على المادة، واحتراقٌ جميل في سبيل حلمٍ أبى أن ينحني للواقع.
![]()
