الكاتبه المحبة لله
عندما ترى صبيًّا صغيرًا يركض وراء والدته، حينها تعلم جيدًا أنه متعلق بها إلى حد كبير، لكن في الحقيقة إنه يبصر الطمأنينة في حضرتها، ولا يستطيع أن يتصور المكان دونها أو يتواجد لحظة وهي بعيدة عنه؛ لأنها الأمان والدفء الذي يشعره أنه بخير ما دامت هي معه، فإن غابت لحظة عنه، كأنه تائه وسط مدينة كبيرة، ويستشعر الخطر يلتف حوله من كل مكان، ويصرخ بأعلى صوته: “أمي.. أين أنتِ؟” لكن هو لا يحتاج إلى كل ذاك الصوت الجهوري لتسمعه؛ لأنها تشعر بقلبها قبل أن ترى بعينها إن كان فلذة كبدها على ما يرام أم أصابه مكروه ما؟
إنه أمان الاحتواء والأنقى على الإطلاق، لا يشوبه مصلحة أو من ورائه يُرجى فائدة ما؛ حتى أنه الحب الأول والأخير لدى كل امرئ في هذه الدنيا، فإنه لا يشبه هوى الرفقة أو الأشقاء، بينما أيضًا لا يتشابه مع جوى الأقارب الذي تسعد في وجودهم أو هاتف منهم، فهو خاص وفريد من نوعه، لا يحتاج لكلمات أو تفاعل ليصل؛ لأن نظرة واحدة منك كفيلة أن تجعلها تعلم ما الذي يحدث ويجول بخاطرك، ولا تتمكن من البوح به؟
أنت حينما تجلس معها لا تنتقي حروفك بعناية، أو تخشى أن تفهمك بطريقة خاطئة؛ بل تتحدث بطلاقة وأريحية، كأنك تتكلم مع ذاتك، حتى هي لا تستطيع أن تنصت إليك مثلها؛ لأن النفس أحيانًا تتقمص دور الجلاد الذي يعاتب ويلوم بقسوة طوال الوقت إن عدت لحظة إليها؛ أما نبع الحنان والأمان فلا تفعل ذلك، وإن أرادت يومًا النصح والإرشاد تتبع اللين مع طفيف العتاب الذي يوصل إليك الفكرة دون أن تستاء، حتى أنك تقول: لماذا لم آتِ إليها من قبل؟
الأم لا تُقارن بأحد، ولا يعوض مكانها جل البشر، ليس حبيب أو قريب، فهي التي تتحملك في كل ظروفك وحالاتك، بجانب أنها تتمكن في لحظات من تهدئة روعك وجعلك بحالة ممتازة لا مثيل لها من الراحة، كأن جبال الهموم التي كانت تثقل كاهلك قد انتهت، رغم أنها لا زالت قائمة؛ لأنها تهون عليك الأمور وترشدك إلى الصواب، وإن لم يكن على هواك أو تتقبله، فأحيانًا نرفض الأمر بعينه ولا نريد أحدًا أن يحدثنا فيه، وهي بكلمة واحدة منها تنصت إليه من زاوية أخرى، وتجد ذاتك تهرول إليه رغم أنه من البداية استحالة القبول.
هي التي تدعو إليك في كل صلاة، وصدق تتمنى أن تكون بخير وسعادة على الدوام، كانت موجودة، إن الحياة دونها الموت على هيئة نحيا في انتظار اللقاء بعد الفراق، الذي مرارته لا يشبهها شيء، أو حزن العالم جله لا يتشابه مع غياب احتواء واحدة منها على حين ضعف أو خذلان.
![]()
