...
IMG 20260513 WA0039

 

الكاتب د. محمود لطفي

 

يتردد على ذهنه تلك المرات الأخيرة التي شاهد فيها صديقه على غير عادته، فلم يعد باسم الثغر، ولا مشرق الوجه، ولا لامع العين كعهده به. كان يشاهده وكأنه يتعامل مع شخص آخر غير الذي يعرفه. حاول أن يعرف سر تغيره، أو ما الذي طرأ عليه، ولم يصل لشيء محدد. تكاثرت الأسباب في عقله، وطرحت الأفكار نفسها في رأسه، ولم يعد هناك مجال سوى المواجهة المباشرة؛ فالقلق لا يتركه لحظة بسبب صديق عمره، وشعور بالتقصير ينتابه كثيرًا.

 

لذا، فقرار المواجهة كان الحل، ربما وجد في قرارة نفسه أنه قرار متأخر، ولكن من يدري؟

(أن تأتي متأخرًا خير من ألا تأتي أبدًا).

 

هكذا عزم حاله وحسم أمره، وذهب لصديقه في هذا اليوم، لكنه وجد حركة غير معتادة تحت البناية التي يقطن فيها، حركة تصاحب الرحيل والوداع. فدموع زوجته ونظرات حزن أولاده كانت كافية ليفهم أنه جاء متأخرًا، وأن ما يعاني منه صاحبه لم يكن سوى متلازمة الوشك على الرحيل، التي تغير من شخص الإنسان وتنعكس على ملامحه دون أن يكون هو على علم بهذا، وحتى لو تملكه الشك، سيظل الأمل في البقاء أهم دافع للاستمرار في الحياة.

 

والآن، وبعد عام من رحيل صديقه، وها هو يقف على قبره يقرأ على روحه الفاتحة، ويهمس له بصوت لا يكاد يُسمع:

“قريبًا نلتقي، أنا أشعر بأنني أوشكت على الرحيل، وأتذكر أيامك الأخيرة التي تشبه كثيرًا حالي هذه الأيام. صديقي الغالي، كما كنت تسبقني دومًا، أتمنى أن تكون سابقًا لي في جنة النعيم…”

 

وقبل أن يخرج من باب حوش المقبرة، سقط هو الآخر سقطة أخيرة، ولفظ أنفاسه، وذهبت روحه لبارئها، تاركًا زيف الدنيا، ومشتاقًا للقاء مع أغلى صديق له، لا فراق بعده، تمناه في جنة النعيم.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *