الكاتبة عاليا عجيزة
في عمق القصر الذي سقط من ذاكرة الخرائط، تقبع غرفة لا تشرق فيها الشمس أبدًا، غرفة يفوح منها عطر الموت الممزوج برائحة الشمع المحترق والحديد الصدئ. هنا، في هذا الحيز الضيق الذي تصوره، تلتقي ثلاثة كوابيس في طقس جنائزي واحد، حيث لا يفرق النسيج بين الجلد البشري وقماش الدمى البالي.
كان “جوليان” يقف مرتجفًا أمام المدفأة السوداء، حيث تتربع شموع ضخمة لا تنطفئ نيرانها مهما عصفت الرياح خلف النوافذ الموصدة. نظر إلى الجدار الجانبي، حيث عُلقت ثلاثة وجوه شاحبة داخل إطارات بيضاوية سوداء. لم تكن منحوتات، بل كانت حصاد سنوات من “الصيد”. كل وجه منها يحمل ابتسامة قسرية وعينين غائرتين تحكيان قصة اختطاف الروح.
كانت هذه هي “الوجوه المنسية”؛ ضحايا الفنان المهووس الذي سكن الغرفة قبله. هم الذين ظنوا أن الجمال خلود، فصاروا جلودًا مشدودة على الخشب، تراقب الغرفة بصمت مروع. شعر جوليان بوخز في وجنتيه، كأن الجدار يطالبه بتقديم وجهه ليكون الرابع في المجموعة، ليكتمل نصاب الرعب على ذلك الحائط الكئيب.
على الأرضية الخشبية الملطخة بدمٍ قديم تخثر حتى صار جزءًا من تضاريس المكان، كانت تقف دمى “ماري الوردية”. دمى صغيرة، مشوهة، ترتدي فساتين كانت يومًا بيضاء، لكنها تشبعت باللون الأحمر القاني حتى صارت تبدو كأحشاء مكشوفة. لم تكن هذه الدمى مجرد ألعاب للأطفال، بل كانت “أوعية”؛ سجونًا صغيرة لأرواح الأطفال الذين تاهوا في ردهات هذا القصر.
كانت الدمى موزعة في أركان الغرفة؛ واحدة تقف قرب المرآة، وأخرى تتوارى خلف زاوية المدفأة. لم تكن تتحرك حين ينظر إليها جوليان، لكنه كان يسمع حفيف فساتينها المبللة بالدم فوق الخشب كلما أدار ظهره. كان الدم الذي يغمر الأرضية يتحرك ببطء، كأنه نهر حي يغذي تلك الأجساد القطنية، مانحًا إياها طاقة زائفة للوقوف والمراقبة.
وفي مركز هذا الجحيم المصغر، انتصبت “المرآة الكونية”. مرآة طويلة بإطار أسود ملتف كأغصان شجر ميت، زجاجها ليس عاكسًا للضوء، بل هو نافذة لغرفة موازية يسكنها “الظل”.
داخل المرآة، رأى جوليان انعكاسًا لنفسه، لكنه لم يكن هو. كان كيانًا شاحبًا، بعينين بيضاوين تمامًا وابتسامة تتسع أبعد مما يسمح به اللحم البشري.
أدرك جوليان أن الشموع السوداء على المدفأة ليست للزينة، بل هي “أقفال طقوسية”. كل شمعة مشتعلة تمنع ذلك الكيان القابع خلف الزجاج من تحطيم الحاجز والولوج إلى عالمنا.
لكن الدم على الأرض كان يزحف نحو قاعدة المرآة، مشكلًا دوائر طقسية، وكأنه يمهد الطريق لعملية “التبادل”.
الكيان في الداخل كان يضع يده على الزجاج، وفي كل مرة يلمسه، كانت إحدى الدمى على الأرض تبتسم باتساع أكبر، وكأنها ترحب بسيدها الجديد.
انطفأت الشمعة الأولى، ثم الثانية. بدأ الظلام يزحف من الزوايا، وتدلت خيوط العنكبوت من السقف كأيدٍ مشلولة تحاول التشبث برأس جوليان. الوجوه على الجدار بدأت تهمس بأسماءٍ مجهولة، والدمى بدأت تضيق الدائرة حوله، مخلفةً وراءها آثارًا حمراء لزجة.
نظر جوليان إلى المرآة في صرخة صامتة، ليرى أن انعكاسه قد خرج بالفعل من الإطار، واضعًا قدمًا واحدة على الأرضية الخشبية الحقيقية. في تلك اللحظة، لم يعد يعرف أهو الإنسان الواقف في الغرفة، أم هو مجرد وجه آخر سيُعلق قريبًا على الجدار، أو ربما روح أخرى ستُسجن في جسد دمية صغيرة ترتدي فستانًا أحمر، لتنتظر الضحية القادمة في “غرفة الانعكاس المظلم”.
غاب الضوء تمامًا، ولم يتبقَّ في الغرفة سوى صوت ضحكة طفولية مكتومة، وصوت فرشاة ترسم وجهًا جديدًا على الجدار، تحت مراقبة آلاف العيون التي لا تنام.
![]()
