الكاتبة عاليا عجيزة
في تلك الغرفة المسكونة برائحة الورق العتيق وصرير الأقلام، لا يجلس العالم ليكتشف قوانين الفلك فحسب، بل هو يمارس، بوعي أو بغير وعي، طقسًا من طقوس “مقاومة العدم”. كل غمسة لريشته في المحبرة هي محاولة لانتزاع لحظة من براثن الزمن، وكل حرف يخطه هو مسمار يدقّه في نعش الموت الذي يتربص بالجسد.
إن المشهد المعروض في الصورة يجسد التراجيديا البشرية في أرقى صورها؛ إنسانٌ فانٍ، محدود الزمان والمكان، يحاول أن يحيط باللامتناهي (النجوم والأفلاك) عبر شيء متناهٍ وهش (الورق والحبر).
هنا تبرز الفلسفة التي ترى في الكتابة “جسدًا بديلًا”؛ فبما أن الجسد البيولوجي محكوم بالتحلل، يبتكر الإنسان جسدًا من ورق، يودع فيه أفكاره، ورؤاه، وحتى نبرة صوته الداخلية، على أمل أن يقرأه شخص ما بعد مئات السنين، فيُبعث الكاتب من جديد في عقل القارئ.
ولكن، أليس هذا الخلود وهمًا؟ إننا نكتب لكي لا نُنسى، لكننا في الحقيقة نؤجل النسيان فقط. فالورق يصفرّ، والحبر يبهت، والمكتبات تحترق. ومع ذلك، يظل هذا “الوهم” هو المحرك الأساسي للحضارة الإنسانية. لولا الرغبة في الخلود عبر التدوين، لضاعت حكمة الأجداد، ولظل كل جيل يبدأ من الصفر، عاجزًا عن التراكم المعرفي الذي نراه في تلك الخرائط المعلقة خلف العالم.
في تلك الغرفة المسكونة برائحة الورق العتيق وصرير الأقلام، لا يجلس العالم ليكتشف قوانين الفلك فحسب، بل هو يمارس طقسًا من طقوس “مقاومة العدم”. كل غمسة لريشته في المحبرة هي محاولة يائسة لانتزاع لحظة من براثن الزمن، وكل حرف يخطّه هو مسمار يدقّه في نعش النسيان الذي يتربص بالجسد.
إن المشهد يجسد التراجيديا البشرية في أعمق صورها؛ إنسانٌ فانٍ ومحدود، يحاول أن يحيط بالكون اللامتناهي عبر أدوات هشة كالورق والحبر. هنا تبرز الفلسفة التي ترى في الكتابة “جسدًا بديلًا”؛ فبما أن الجسد البيولوجي محكوم بالتحلل، يبتكر الإنسان جسدًا من ورق، يودع فيه خلاصة روحه ونبرة صوته الداخلية، على أمل أن يُبعث من جديد في عقل قارئ مجهول بعد مئات السنين.
خلفه، تظهر الأسطرلابات والخرائط الدائرية كرموز للكمال الكوني، بينما يظل هو، بانحناءة ظهره وتركيزه الشديد، رمزًا للمحاولة البشرية المستمرة لتأطير هذا الكمال داخل مساحة المخطوطة الضيقة.
إنه “وهم الخلود” الذي يجعلنا نؤمن أن الكلمات التي تُكتب بضوء الشموع قادرة على الصمود في وجه شمس الحقيقة التي لا تغيب، محولةً اللحظة العابرة إلى أثرٍ لا يزول.
إن هذا العالم المنكبّ على أوراقه يدرك في قرارة نفسه أن جسده ليس سوى وعاءٍ مؤقت، تمامًا كتلك الشموع التي تذوب أمام ناظريه. فبينما تتلاشى طاقة الشمعة لتتحول إلى ضوء، يذيب هو زهرة شبابه ليحولها إلى “معرفة”. إنها عملية استبدال كبرى؛ حيث يتنازل الإنسان عن وجوده المادي مقابل وجود “رمزي” يسكن الرفوف والمكتبات.
في الصورة، نرى التضاد الصارخ بين ضوء الشمس المتسلل من النافذة (الحقيقة الكلية المطلقة) وبين ضوء الشموع الدافئ (المعرفة البشرية القاصرة)؛ فالأولى موجودة سواء رصدناها أم لا، أما الثانية فهي التي نكافح من أجل إبقائها مشتعلة فوق الورق.
لكن السؤال الفلسفي الذي يطرح نفسه بحدة: هل نحن نكتب لنحفظ العلم، أم لنحفظ “أنفسنا” داخل العلم؟ إن الخرائط الفلكية المعلقة خلف الرجل في الصورة ليست مجرد قياسات للمسافات بين النجوم، بل هي صرخة إنسانية تقول: “لقد كنتُ هنا، وقد رأيتُ هذا، وقد فهمتُه”.
التدوين هنا يتحول من فعل تعليمي إلى فعل “إثبات وجود”. نحن نخشى الصمت الأبدي الذي يفرضه الموت، فنجعل من الحبر صوتًا لا ينقطع، ومن الورق صدىً يتردد عبر الأجيال.
المفارقة تكمن في أن الوسيط الذي نختاره للخلود (الورق والحبر) هو وسيط هشّ بطبعه. فالكتاب الذي يخطه هذا العالم قد تأكله النيران، أو تبلله الأمطار، أو يضيع في غياهب النسيان نتيجة تقلبات السياسة والحروب.
ومع ذلك، يظل “فعل الكتابة” في حد ذاته هو أعظم انتصار للإرادة البشرية. عندما يغمس ريشته في تلك المحبرة السوداء، هو لا يرسم حروفًا فقط، بل يستخرج من ظلمة الجهل نورًا يحاول به إنارة الطريق لمن سيأتي بعده.
إن انحناءة ظهر العالم، وتركيزه الذي يكاد يخرق الورقة، يعكسان حالة من “الفناء في العمل”؛ حيث ينسى الكاتب جوعه وتعبه وعمره المتقدم، ليذوب تمامًا في “الكلمة”. في هذه اللحظة، يتوقف الزمن بالنسبة له. لم يعد هناك ماضٍ أو مستقبل، بل هناك “الآن” المطلق، حيث تلتقي فكرة سماوية بعيدة بريشة أرضية قريبة.
في نهاية المطاف، يظل التدوين “وهمًا ممتعًا”. فمهما بلغت دقة المخطوطات التي يكتبها، لن تستطيع أبدًا استيعاب عظمة الكون الذي تحاول وصفه.
الصورة تنتهي عند حواف الإطار، وكذلك هي كتبنا؛ محاولات مبتورة لفهم حقيقة مكتملة. لكن العزاء الوحيد لهذا الرجل، ولكل من سلك دربه في الكتابة والتدوين، هو أن “الأثر” لا يقاس ببقاء الورق، بل بالشرارة التي تنتقل من عقله إلى عقول الآخرين.
قد يفنى الجسد، وقد يذوب الحبر، لكن “فعل التساؤل” الذي زرعه في ثنايا سطوره سيبقى حيًا، محولًا وهم الخلود إلى حقيقة متجددة، لا تموت بموت صاحبها، بل تولد من جديد مع كل عين تبصر الحقيقة خلف الحرف.
![]()
