...
IMG 20260601 WA0099

للكاتب/ فتحى عبدالحميد 

 

نام مبكرا على غير عادته

لم يكن مرهقا بقدر ما كان مثقلا بأعمار لم يعشها وأبواب وقف طويلا أمامها ثم مضى وكلمات ولدت على حافة شفتيه ثم عادت إلى ظلمات صدره

وما إن أغمض عينيه حتى وجد نفسه واقفا أمام مدينة هائلة تحيط بها أسوار من الضباب

كانت تبدو كأنها خارجة من حلم قديم نسيه العالم

وعلى بوابتها نقش من نور شاحب

مدينة المؤجلين

دخلها دون أن يسأله أحد عن اسمه

وكأن المدينة تعرفه أكثر مما يعرف نفسه

وكأنها كانت تنتظر قدومه منذ سنوات طويلة

كانت الشوارع مزدحمة على نحو غريب

لكن المارة لم يكونوا بشرا

كانوا أرواحا هائمة تحمل ملامح ناقصة وعيونا مطفأة

رأى بينها نفسه التي أراد أن يكونها يوما ثم تركها وحيدة على قارعة الزمن

ورأى عمره كتابا مفتوحا كتبت صفحاته بأيد كثيرة إلا يده

ورأى طرقا كان عليه أن يسلكها فاختار الوقوف عند بداياتها حتى نبت العشب فوق آثار قدميه

ورأى كلمة حب ظلت تتراجع كلما همت بالخروج حتى شاخت وماتت بين أضلاعه

كانت تلك الأرواح تمضي في الطرقات كالأيتام

تحمل نحوه نظرات لا تشبه العتاب بقدر ما تشبه الخذلان

كلما اقترب من إحداها ابتعدت

وكلما ناداها ذابت بين الأزقة كما يذوب الدخان

فسأل روحا عابرة

من هؤلاء

فأجابته دون أن تلتفت

هذه الأشياء التي وعدتها بالحياة ثم سلمتها للموت

واصل السير

وكانت المدينة تتسع كلما ظن أنه بلغ آخرها

حتى وصل إلى ساحة تتوسطها ساعة عملاقة

لكن عقاربها كانت ساكنة كأن الزمن نفسه توقف عن التنفس

اقترب منها

فاكتشف أن العقارب لم تصنع من معدن

بل من أعمار البشر

كل دقيقة فيها كانت سنة كاملة

وكل دورة كانت حياة لا تعود

عندها لمح روح شيخ يجلس في ظل الساعة

كان وجهه مألوفا على نحو يبعث القلق

كأنه رآه في كل المرايا التي مر بها ثم نسيه

قال الشيخ

هل تعرف ما أثقل ما يحمله الإنسان

فأجاب

الهموم

ابتسم الشيخ ابتسامة باهتة وهز رأسه

لا

الندم

فالهموم ضيوف عابرون

أما الندم فيستوطن القلب حتى آخر الطريق

ثم أشار إلى باب صغير خلف الساعة

وقال

هناك رسالتك

ادخل

فتح الباب

فوجد قاعة تمتد إلى ما لا نهاية

وعلى جانبيها رفوف لا تحصى

وفوق كل رف صندوق مغلق يحمل اسمه

اقترب مرتجفا

فتح أول صندوق

فوجد فرصة ضاعت لأنها انتظرت شجاعته أكثر مما ينبغي

وفتح الثاني

فوجد قرارا صحيحا تركه خوفه معلقا بين الاحتمالات

وفتح الثالث

فوجد سنوات كاملة أهدرها في انتظار لحظة مناسبة لم تأت قط

أغلق الصناديق مذعورا

وسأل

ومتى تفتح هذه الصناديق

فجاءه الصوت من كل الجهات

حين لا يعود فتحها مجديا

في تلك اللحظة شعر أن الأرض تميد تحته

وأن المدينة كلها بدأت تتشقق

الأبراج تتهاوى

والأرواح تتلاشى

والضباب يرتفع نحو السماء كأنه ينسحب من العالم

ثم سمع العبارة الأخيرة

واضحة كأنها لم تكتب في الهواء بل حفرت في قلبه

الحياة لا يسرقها الفشل

بل يسرقها التأجيل

واستيقظ

كانت الغرفة كما هي

والليل كما هو

والساعة إلى جوار سريره ما تزال تدق

لكن شيئا عميقا لم يعد كما كان

نظر إلى عقاربها طويلا

ولأول مرة لم ير الوقت

بل رأى عمره وهو يعبر أمامه في صمت

وأدرك أن الغد احتمال

لا وعد

وأن أكثر الأحلام مأساوية ليست تلك التي استعصت على التحقيق

بل تلك التي ماتت وهي تنتظر أن نبدأ

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *