...
IMG 20260608 WA0008

حوار: أمينة حمادة

ابنة سوريا وتحديدًا إدلب الخضراء مدققة وكاتبة، تحدثنا عن مسيرتها الأدبية بكل شفافية.

 

 

بداية؛ عرّفينا عن نفسكِ كما تحبين أن يقرأ الجمهور عنك؟

أنا لم أعتلِ منصبًا في كوني مُدقّقة للفرق الكتابية وكتُب الأدباء، بل اعتنقته؛ لا لأقود من الأعلى، بل لأمضي في الصّفّ، ولأتنفس الحرف والكلمة، لأكون حارسة للُّغة، وراعية للبيان، وصاحبة عين لا تفوت زلة، ولا تمر على خلل دون إصلاح.

أنا مَيس عبد الرّحمن هنانو، سوريّة الهوى، إدلبيّة الحضور، عربية الانتماء، أدرس فرع الأدب العربيّ في الجامعة، من السَّنة الأولى، لكن شهادتي الأعمق نحتتها التجربة، ووشحتها الأيَّام؛ لأحمل التعليم لا كمهنة، بل كرسالة تغرس في القلوب قبل العقول، وتروى بالشغف، وتثمر لي حُبًّا ودعاء.

أيضًا لم أكتفِ بما أتيح لي، بل سعيت وراءه، خضت غمار التّعلّم الذاتي، وطرقتُ أبواب المعرفة من مجالاتٍ شتّى: من حفظ منظومات دينيّة {كالجزريّة، واللّاميّة، والإبراهيميّة، ونسب الرّسول} ومجازة فيهم، كما حملت إجازتين: في الأربعين النّوويّة، والأربعين البخاريّة، وأعلّم الطّالبات لأجيزهم.

لجأت إلى الكتابة بعدما عانيت من شعورٍ قاس شعرت به قبل ثلاثة سنوات؛ ومن هنا بدأت رحلتي، فالكتابة كانت رحلتي الأقدم، ملاذي حين ضجّ العالم، وصوتي حين صُمّ عن آذان العالمين عنوة، فلم تكن يومًا حبرًا، كانت نزفًا، كانت وجعًا، كانت انهيارًا، إذ كنت أحمل القلم أوزارًا: وزر الشّوق، وزر الألم، وزر الحنين، ووزر شعوري الذي لم يفهمه أحد والحديث عن رحلتي الإبداعيّة؛ طويلٌ جدًّا.

ولد الإبداع منّي، فكان مرآتي، وانعكاسٌ لشيءٍ فيّ.

في تدقيق النصوص.. تعلّمت أن رعاية الحرف ليس عملًا هيّنًا، إنما مسؤوليّة عظيمة، فأن تكون مُدقّقًا لُغويًّا يعني: لن يكون هذا الاسم عابرًا أبدًا، إنما مسؤوليّةً كبرى، يعني أن تصبح حارسًا للُّغة، تدافع عنها بكل ما أوتيت من قوة، من يمسّها كأنّه يمسّك، تحاول أن تُزوّد عِدّتك وعتادك من الفهم والاستيعاب والتعمق في اللغة العربية.

واليوم، أمضي في هذا الدرب بثقة لا تعرف التردد، وبشغفٍ لا يخبو، وبطموح لا يهدأ.. أؤمن أنّ القادم أعظم، وأن رسالتي لم تبدأ بعد، بل تتشكّل كلّ يوم، حرفًا بعد حرف، وأثرًا بعد أثر.

 

 

هل سبق وأن نشرتِ عمل، سواء ورقي أو إلكتروني؟

طبعًا؛ ثلاثة أعمال ورقيًّا، وعمل واحد إلكترونيًّا ولا يخفى عن ذلك مشاركاتي في بعض الكتُب الأدبيّة سواء إلكترونيًّا أو ورقيًّا.

 

 

من هو الشخص الداعم لكِ، وجهي له كلمة من منبرك هذا؟

والدايّ..

هما البداية التي لا تنسى، واليد التي امتدت قبل أن أعرف الطريق، والسند الذي لم يتخلّف يومًا.

كلّ خطوة خطوتها، وكلّ باب فتحته، وكلّ سقف كسرته؛ كان خلفه أبٌ يزرع الثّبات في قلبي، وأمٌّ تضع الدعاء تحت قدمي كي لا أنهار.

كان أبي يعلّمني أنّ الوقوف لا يحتاج إلى ضجيج، بل إلى يقين.

وكانت أمي تهمس لي دائمًا: “ارفعي رأسكِ.. الله معكِ، ونحن معكِ.”

 

يا أبي.. يا أمي..

لو أنّ للفضل وزنًا؛ لرجحت كفتكم على كلّ ما صنعته.

ولو أنّ للإمتنان لغة تكفي؛ لكتبتها بدم قلبي لا بحبر قلمي.

أنتم الأثر الأول، والبركة التي لا تنفد، والسبب الذي يجعلني أقف اليوم بثباتٍ لا يتأرجح.

أنحني احترامًا، وأقف فخرًا، وأمضي بثقة؛ لأنّ جذوري ثابتة فيكما.

 

 

 

أيهما أفضل برأيك، النشر الورقي أم الإلكتروني، ولماذا؟

لا أؤمن أن هناك “أفضل” مطلقًا بين النّشر الورقي والإلكتروني؛ أؤمن أن لكل منهما روحًا مختلفة، ووظيفة مختلفة، وقارئًا مختلفًا.

لكني ككاتبة، أرى أنّ النّشر الورقي يظل هو الفضاء الّذي يمنح الكتاب قيمته الكاملة، وهيبته، ووزنه الحقيقيّ في الوعي.

فالكتاب الورقي ليس مجرد نصوص في كتاب حاضر؛ هو حضور، ورائحة، وملمس، وطقس قراءة، وذاكرة تمسك باليد.

ويكون هو الشيء الوحيد الذي ينجو من انقطاع الكهرباء، ومن تغير الأجهزة، ومن ضياع الملفات.

كما أنه الأثر الذي يبقى على الرّفّ، ويهدى، ويُوقّع، ويُورَّث.

أما النشر الإلكتروني، فهو مساحة واسعة، سريعة، مرنة، تتيح للكاتب أن يصل إلى قارئ بعيد، وأن ينشر في لحظة، وأن يختبر نصه في بيئة حية.

هو وسيلة، وليس غاية؛ نافذة، لا بيتًا؛ لذلك أقول: النّشر الورقي هو الذاكرة، والنّشر الإلكتروني هو الطّريق.

 

وأنا أكتب لأصنع أثرًا، لا مرورًا عابرًا، ولهذا يبقى الورق بالنسبة لي المكان الذي يليق بالكلمة حين تنضج، ويبقى الإلكتروني جسرًا يصل بها إلى من ينتظرها.

 

 

منذ متى اكتشفتِ شغفكِ في الكتابة؟

وهل تتذكرين أول ما كتبتي؟

لم أكن ككل الكتّاب اللذين اكتشفوا مواهبهم في لحظة تأمل لغروب الشمس، وبيدهم كوب قهوة، وبقربهم نافذة مفتوحة على مشهدٍ شاعري.

لم تأتِ الكتابة إلي من باب الرّفاهيّة، ولا من باب المزاج، ولا من تلك اللحظات التي تصنع فيها الذكريات الجميلة.

أنا اكتشفت الكتابة حين لم يكن في الحياة شيء جميل أصلًا.

اكتشفتها يوم الزلزال..

يوم تغير شكل العالم في ثانية، وسقط البيت الذي كان يحميني، ووقفت أمام الرّكام وأنا أحاول أن أفهم كيف يمكن للذاكرة أن تُهدم بهذه السهولة؟ في تلك اللحظة، لم أكن أبحث عن شغف، بل عن لغةٍ أستطيع أن أتنفّس بها.

أول ما كتبته كان نصًّا بعنوان: “ما زلت أفتكرك.”

كتبته للبيت الذي سقط، للطفولة التي انكسرت، وللأمان الذي غاب.

لم أكتب لأتجمّل، بل لأتوازن، لم أكتب لأظهر موهبة، بل لأنقذ نفسي من الصمت الذي كان أثقل من الركام نفسه.

منذ ذلك اليوم؛ فهمت أن الكتابة ليست لحظة رومانسية تلتقط في صورة، بل فعل نجاة، وأنّ الكاتب الحقيقي لا يولد من مشهد جميل؛ بل من تجربة تهز جذوره.

لهذا..

أنا لا أكتب لأن لديّ وقتًا، بل لأنّ لدي شيئًا يجب أن يقال.

ولا أبحث عن الإلهام في الغروب، بل في اللحظة التي ينهار فيها كل شيء ويجب أن أبدأ من جديد.

 

 

هل لديك مواهب ثانية غير الكتابة، ماهي؟

ربما.. لدي مواهب أخرى، لكني اكتفيت بالكتابة؛ فهي الموهبة التي اتّسعت حتى صارت تغنيني عن غيرها، وتأتيني بكل ما أحتاجه وحدها.

ففي الكتابة وجدت صوتي، ومساحتي، وطريقي، فلم أعد أبحث عما سواها.

 

 

ماهي نصيحتك للكُتّاب الكبار منهم والناشئين ؟

نصيحتي للكتّاب جميعًا، مهما اختلفت أعمارهم وتجاربهم، هي أن يتعاملوا مع الكتابة بوصفها مسؤولية قبل أن تكون موهبة، ورسالة قبل أن تكون مهارة، وطريقًا قبل أن تكون لحظة إلهام.

 

للكتّاب الكبار أقول:

لا تجعلوا خبرتكم تتحول إلى قيد.

الكاتب الذي يظن أنه بلغ النهاية، يبدأ بالانحدار من اللحظة نفسها.

اهدموا ما اعتدتم عليه، واسمحوا للنص أن يفاجئكم، وأن يربيكم، وأن يغير قناعاتكم.

لا تكتبوا؛ لأن لديكم جمهورًا ينتظر، بل لأن لديكم حقيقةً يجب أن تُقال.

الكاتب الكبير ليس من يملك تاريخًا طويلًا، بل من يملك شجاعة البدء من جديد كلما كتب.

 

أما للكتّاب الناشئين:

لا تستعجلوا الوصول، ولا تركضوا خلف الاعتراف، ولا تكتبوا لتنالوا إعجابًا سريعًا.

الكتابة ليست منصة قفز، بل رحلة بناء.

اقرؤوا كثيرًا، واكتبوا كثيرًا، واسمحوا للنّصوص السيئة أن تخرج منكم كي تفسح الطريق للنصوص الجيّدة.

لا تقلدوا أحدًا، ولا تستعيروا أصواتًا ليست لكم، ولا تكتبوا بعيون الآخرين. الكاتب الذي يبدأ بالتّقليد، ينتهي بالاختفاء.

لا تخافوا.

الخوف هو العدو الأوّل للنص، وهو الذي يجعل الكاتب يكتب نصف الحقيقة، ويقول نصف الفكرة، ويعيش نصف حياته؛ لذا اكتبوا بجرأة، بصدق، بعمق، وبمسؤوليّة فالكتابة ليست عدد صفحات، ولا عدد قرّاء، ولا عدد كتب منشورة؛ الكتابة مقدار الصدق الذي تضعه في جملة واحدة.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *