...
IMG 20260525 WA0002

 

 الكاتب: سعيد بدر

 

كان الليل ممتدًا كالجثة، والصمت أثقل من ألف تابوت. في قرية “النعاس الميت”، لم يعد أحد ينام. ليس بسبب الأصوات، بل بسبب العكس تمامًا.

 

منذ ثلاثة أيام، توقف كل شيء عن إصدار الصوت. خطوات الأقدام تلامس التراب، فلا تئن الأرض، والأبواب تُفتح دون صرير، حتى عويل الرياح صار مشهدًا صامتًا خلف النوافذ. لكن الأسوأ كان البشر. فجأة، وفي منتصف حديثهم، كانت أصواتهم تختفي، وكأن أحدهم يسحب سدادة الكهرباء من أفواههم. يفتحون أفواههم في صراخ لا يُسمع، ثم يتجمدون في مكانهم، وجوههم ممددة كالذين رأوا ما لا يُطاق رؤيته.

 

ليلى، معلمة الرسم في القرية، استيقظت قبل الفجر على منظر زوجها جالسًا على طرف السرير. لم يكن يتحرك، ولا يتنفس. عيناه مفتوحتان، ومنديل أبيض يتدلى من أذنه اليمنى. كُتب على جدار غرفة النوم بدم جفونه: “لا تُصدر صوتًا… إنه يسمع الحركة التي لا صوت لها.”

 

ارتعبت ليلى، لكنها لم تصرخ. تعلمت أن الصراخ الآن لا قيمة له. مشت حافية نحو النافذة، فرأت القرية بأكملها متجمدة. البائع المسن متجمدًا في وضع رفع كيل الجبن، والطفل متوسلًا قطعة حلوى لا تصل إلى فمه أبدًا، وامرأتان معلقتان في منتصف عناق درامي فوق قطة ميتة. الجميع تحولوا إلى تماثيل شمعية نابضة بالحياة، لكن أعينهم فقط… كانت تتحرك.

 

تبادلت ليلى النظرات مع جارتها “سمية” المتجمدة مثل تمثال في حديقة عامة، لكن عين سمية كانت تنظر إليها بخشوع، ودمع ينساب بصمت على خد جامد. نظرت ليلى إلى فم سمية، فكانت تهمس بشيء ببطء شديد، كأنها تعيد شريطًا مسجونًا.

 

بعد دقائق، استطاعت ليلى قراءة حركة شفتيها:

 

“انهضْ… يقرع الطبل في سمعه…”

 

وقبل أن تفهم، شعرت بثقل غريب في أذنها اليسرى. برد معدني يلامس طبلة الأذن من الداخل. التفتت مرعوبة، فرأت طفلًا صغيرًا يقف خلفها على الجدار، ليس له ظل، ووجهه أبيض كالثلج، لكن فمه مرسوم بدم أحمر على هيئة ابتسامة تصل إلى أذنيه.

 

لم يكن الطفل يتحرك، لكن صوتًا بدأ يتشكل داخل رأس ليلى. ليس كلامًا، بل دقات طبل بطيئة وثقيلة:

 

دُبْ… دُبْ… دُبْ…

 

مع كل دقة، كان جسد ليلى يزداد صلابة. نظرت إلى يديها، فوجدتهما تتحولان إلى شمع أبيض. حاولت الصراخ، لكن حتى أفكارها بدأت تتجمد. في آخر لحظة واعية لها، رأت بقية القرية من أعلى: كل تلك التماثيل البشرية تشكل دائرة هائلة، وفي وسطها فراغ تام، يجلس طفل بلا ظل يعزف على طبل مصنوع من جلد الوجه الإنساني.

 

وعرفت ليلى الحقيقة المرعبة قبل أن تتحول بالكامل إلى تمثال:

 

“ليس الصمت هو الذي قتلهم… بل هم الذين توقفوا عن سماع الخطر القادم من داخلهم.”

 

ثم سكت كل شيء.

 

حتى نبض قلبها توقف عن الاهتزاز.

 

وبقيت القرية بأكملها صامتة…

 

صامتة إلى الأبد.

 

انتهت القصة

 

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *