الكاتبة عاليا عجيزة
كانت الفتاة الشابة “ليلى” تمتلك ساعة جيب قديمة موروثة عن جدتها، وكانت تعتقد أنها مجرد قطعة أثرية جميلة. لكن في يوم من الأيام، حطّت فراشة زرقاء زاهية على الساعة، وفجأة بدأت الساعة بالدوران بسرعة، ورأت ليلى صورًا لجدتها في شبابها وهي تعيش مغامرات مشوقة. هل كانت الفراشة مفتاحًا لرحلة عبر الزمن؟ أم كانت تحمل رسالة من الماضي؟!
فتاة شابة مليئة بالحيوية، ضحكة جميلة مجلجلة تصدر منها، وهي جالسة بصحبة صديقاتها. يمر الوقت سريعًا، وإذ ينتصف الليل معلنًا الواحدة صباحًا، ينصرفن، إلا تلك الصديقة التي أثناء نهوضها تفتح حقيبتها وتخرجها، وتقدمها لها بود، وتهنئها بعيدها الثلاثين. يرتفع حاجباها، وينفرج فمها، وتجحظ عيناها بمظهر مبالغ به: “واااووو! يا لها من مفاجأة! لم أكن أتوقع ذلك”. ثم ترتمي في أحضانها، ودموع تنسال بلطف وهدوء، شاكرةً لها صنيعها. تخبرها إنها سوف تحتفظ بها كذكرى.
تودع ليلى صديقتها بابتسامة دافئة لا تفارق شفتيها، وتغلق الباب خلفها، ليعود الهدوء إلى أرجاء الغرفة. تلتفت إلى الطاولة حيث تقبع تلك المفاجأة؛ ساعة جيب فضية عتيقة، تلتف حولها سلاسل براقة تعكس ضوء المصباح الخافت.
تتقدم نحوها بخطوات بطيئة، وتلتقطها بعناية وكأنها تلمس قطعة من التاريخ. تلمس نقوشها البارزة، وتقربها من أذنها لتستمع إلى دقاتها المنتظمة: تيك.. تاك.. تيك.. تاك. لم تكن مجرد هدية لعيد ميلادها الثلاثين، بل كانت تشبه تمامًا تلك الساعة الأسطورية التي طالما حكت لها جدتها عنها في قصص الطفولة، الساعة التي قيل إنها ضاعت في دهاليز الزمن.
تجلس ليلى على أريكتها المخملية الزرقاء، وتضع الساعة على كفها. وفجأة، يتسلل إلى الغرفة سكون غريب، ينقطع معه صوت الرياح في الخارج. ومن نافذتها المفتوحة جزئيًا، يتسلل وميض أزرق ساحر.
لم تكن فراشة عادية، بل كانت فراشة زرقاء زاهية، كأنها مصنوعة من ضوء النجوم وسحر الحكايات، تمامًا كالفراشة المستقرة فوق زجاج الساعة.
تهبط الفراشة بخفة متناهية، وتحط فوق العقارب المستقرة عند الواحدة صباحًا.
في تلك اللحظة، تدب حركية غريبة في الساعة؛ تبدأ العقارب بالدوران إلى الخلف بسرعة جنونية، وينبعث من تروسها صرير ميكانيكي دافئ. يضطرب الضوء في الغرفة، وتجد ليلى نفسها غير قادرة على إبعاد نظرها عن زجاج الساعة، الذي تحول إلى شاشة سينمائية مصغرة.
تتلاشى جدران غرفتها، وترى من خلال الزجاج صورًا حية نابضة بالألوان: امرأة شابة تشبهها كثيرًا، تضحك ذات الضحكة المجلجلة، وترتدي فستانًا من زمن آخر، وتركض في شوارع مدينة قديمة ممسكة بيد شخص غامض. إنها جدتها في شبابها! لم تكن تلك القصص مجرد خيالات قبل النوم، بل كانت مغامرات حقيقية مشفرة داخل هذه التروس.
تتسارع دقات قلب ليلى مع تسارع العقارب، وتدرك أن الفراشة الزرقاء لم تكن مجرد زائرة عابرة، بل هي المفتاح السحري الذي أيقظ إرثًا مدفونًا.
![]()
