...
279daaba fdb5 4de0 acb1 6eeaa1fee40f

كتبت: سارة أسامة النجار

يشتد في الأرض كالجذر العميق، يغوص تحت التراب، ويُحكم قبضته على الخيمة كي لا تنهار أمام رياح الظروف العاتية. إنه الوتد ، الحارس الليلي المستيقظ بلا كلل، الذي يمنح الخيمة توازنها، لكنه يسلب من أهلها حريتهم. عشرة أوتاد لكل خيمة، وآلاف الخيام تُزاحم بعضها في مساحة ضيقة، لا أحد يُحصي عددها، ولا أحد يعرف إلى متى ستبقى هنا.

حاولت أن أجردها، أن أُحصي الأعداد، أن أبني مصفوفة ذهنية تُرتبها في كل اتجاه، لكن العدّ مستحيل، ففي كل يوم تُضاف خيام جديدة، وتُكثّف الأوتاد على أرض غير مُلك أصحابها.

قبل أن تستغرب هوسي بهذه الأوتاد، اسأل نفسك: لماذا أفعل ذلك؟
لا تقلق، سأمنحك الجواب دون سؤال…

هذه الأوتاد ليست مجرد أعمدة تُثبت الخيام، بل أغلال تُكبّل أجسادًا مُنهكة. كيف لمن بُترت أقدامه أن يتنقل في هذه المتاهة كأنه في سباق حواجز؟ كيف لعجلات كرسيه المتحرك أن تنزلق بين حبال الخيمة دون أن يحتاج لمن يحمله مع كرسيه؟ وكيف لمن انطفأ بصره أن يشق طريقه في هذا الحقل المليء بالفخاخ دون أن يتعثر؟

هكذا يصبح الوتد مأساة خفية ، لا تُكتب تفاصيلها كي لا تُجرح كرامة من يعيشها، مأساة تُضاف إلى الموت والجوع والمرض ولعنة النزوح. مأساة تُصعّد الألم إلى حدّه الأقصى لكنها لا تُلفت الأنظار.

في النهاية، هذه الأوتاد تذكّرك أن الحرية لا تُمنح بسهولة، لكنها تُنتَزع بالأمل. وبين كل وتد يُقيّد الجسد، هناك روح لا تزال تحلم بالعودة، تحلم بكسر القيد، والخروج من زنزانة الخيام إلى رحابة الحياة من جديد.

لا تنسَ أن بين القيود، هناك من لا يزال ينتظر أن يُرى، أن يُسمع، أن يُدرك العالم وجعه.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *