الكاتبه المحبة لله
ليست كل الجرائم تبدأ بطلقة رصاص أو بطعنة سكين، فبعضها يولد بصمت داخل منزل يظنه الجميع أكثر الأماكن أمانًا. هناك، خلف الأبواب المغلقة، قد تتحول الكلمات القاسية إلى ندوب لا تُرى، ويتحول الحرمان إلى نار تشتعل في قلب لا يجد من يطفئها. بينما كانت تظن أن فقدان أمها هو أقسى ما ستواجهه في حياتها، لكنها لم تكن تعلم أن دخول امرأة أخرى إلى بيتها سيغير كل شيء.
انسدل شعاع الشمس كسلاسل الذهب على وجنتيها الصغيرتين، لتفرك عينيها ببطء ونعاس في استقبال يوم جديد من حياتها البائسة. منذ وفاة والدتها، وهي بعمر التاسعة، لا تزال تتذكر ذاك اليوم المشؤوم بالنسبة لها، حينما غادرت البسمة والحنان عالمها، واقتحمت القسوة والتمثيل حياتها. أفاقت من حبل أفكارها على صوت تمقته حد السماء، وهي تصرخ بها:
سناء: أيتها الهانم، هيا لتحضري الفطور لوالدك والأمير مسعود.
سها: حسنًا يا زوجة أبي المصونة.
سناء: حسنًا، حسنًا، قومي بالسخرية كما تشائين، حسابكِ معي بعد مغادرة والدك.
تبدلت ملامح سها من الامتعاض إلى الهلع، وهي تفكر بما ستفعله تلك الشمطاء بها فور رحيل أمانها الطفيف. ذهبت إلى المطبخ، وشرعت في إعداد الفطور، غير عابئة أو ملاحظة لذلك الذئب الذي يتفحصها من أول خصلات شعرها الكستنائي القصير إلى أظافر قدميها الناعمة، وبشرتها ناصعة البياض، كأنها حورية وليست طفلة ذات السابعة عشرة من عمرها.
سناء، بخبث: ماذا تفعل هنا أيها الأمير؟
مسعود: لا شيء يا أمي، فقط جئت لأتعجل تلك الغبية، سأتأخر عن عملي هكذا.
سناء، بصوت غاضب مكتوم: أيتها الخادمة الغبية، أين الطعام؟ كل ذلك تعدينه؟
سها، بفزع: لقد انتهيت، وسأضعه على الطاولة الآن.
تركتها وهي تذهب إلى غرفتها بغنج لتوقظ زوجها، تاركةً مسعود يكمل تفحصه المريض. وفور أن لاحظته سها، رمقته بغضب شديد وحقد، واكتفى هو بالتسلية بحالتها الضعيفة. هي لا تقوى على الرد خوفًا من تسلط والدته عليها.
حسام: صباح الورد يا زوجتي العزيزة.
سناء: صباح الحب يا زوجي العزيز.
حسام: هل الفطور جاهز؟ لا أريد أن أتأخر عن موعد العمل.
سناء: بالطبع، إنه على الطاولة. أكملت كاذبة: لقد أعددته بكلتا يديَّ، بحب، خصيصًا لك يا حبيبي.
حسام: سلمت يداكِ يا جميلتي، لكن لماذا لا تساعدك سها في تحضيره؟
سناء: قلت لها لترتاح قليلًا، وتعد معي الغداء، حتى إنها لم تصبر لتتناوله معك، أخبرتني أنها تريد الذهاب إلى رفيقتها، وهي على عجلة من أمرها.
حسام: لا أعلم كيفية شكركِ على لطفك وحنانك مع ابنتي يا عزيزتي.
سناء، بلطف مصطنع: إنها ابنتي يا عزيزي، هيا لكي لا تتأخر عن عملك.
سها: ابتعد عني أيها الحقير، ولا تحاول أن تلمس طرف ثوبي حتى.
كان مسعود يتمتع بهلعها منه، كلما حذرها ألا تخرج من المنزل دون أن يكون معها، بطريقة غير ملائمة.
سها: سأخبر أبي بما تفعله، وسيقوم بطردك أنت والشريرة أمك.
هنا جاء الرد على هيئة صفعة بوجهها، وطبعت يداه أثرها عليه من قوة الضربة.
مسعود: أمي، لا يزال والدها بالبيت.
سناء: هذا تنبيه صغير كي لا تتطاول عليك بعد الآن يا أميري. هيا، اذهبي إلى غرفتك، أنتِ بمنزلة رفيقتك.
رحلت سها، وهي تعلم أنها حيلة جديدة كي لا تشاركهم الفطور ككل يوم، وهي لم تشأ يومًا هذا الأمر سوى لتتناوله مع والدها. اشتاقت إليه وإلى حديثه على الطعام.
مسعود: صباح الخير يا أبي، كيف مزاج الغالي هذا الصباح؟
حسام، بضحك: ما دام ذاك العسل على الريق، فأنت تريد شيئًا ما أيها الأمير.
مسعود: حاشا يا والدي، إنني أحبك في الله، ولا أريد سوى رضاك عني.
حسام: كم تحتاج يا أميري؟
مسعود: عشرة آلاف فقط، سأقوم بشراء بعض الكتب والملازم التي يحتاجها رفيقي حسن.
حسام: حذارِ أن يكون صديقك هذا ينصب عليك في الأموال، وهو ليس بحاجة إليها.
مسعود، باصطناع الحزن: حسن مسكين، يعمل لدينا بالمكتب مساءً، وفي الصباح يظل يدرس ليعيل عائلته.
كانت سها من وراء الباب تسترق السمع إليهم، وهي تكاد تشيط غيظًا وغضبًا من والدها، الذي يصدق ابنه كأنه ملاك بريء لم يفعل شيئًا معها، وهو يصرف المال على أصحاب السوء خاصته. “الطيور على أشكالها تقع.” وهي لا تستطيع أن تطلب جنيهًا واحدًا من أبيها.
سناء: يا حج، إنه ابنك، ويحب مساعدة المحتاجين، لا تكسر بخاطره، بالطبع قد وعده بتلك الأموال لشراء الكتب.
على الفور أعطاه إياها، وقام بتوديعهم ذاهبًا إلى عمله، تاركًا وراءه ابنته في معاناتها اليومية مع زوجته المتسلطة والقاسية، على عكس ذاك اللطف الذي تبديه أمامه في حديثها ومعاملتها لها، غير عابئ بأنها تجلس في غرفة صغيرة للغاية، بحجة أن ابنها المهندس يحتاج لغرفة كبيرة ومكتب للعمل عليه، وأنها بالنهاية مصيرها إلى الزواج فحسب، ولا داعي لكل ذلك. قامت أيضًا بحرمانها من تكملة تعليمها، لتصبح كما تتمنى طبيبة أو مهندسة. “تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.” قام هو كذلك بسلب حلمها بامتلاكه، كأنه حق مكتسب.
بمجرد أن أغلق والدها الباب، سمعت صوت اللزج كما تدعوه:
مسعود: أمي، هل تحتاجين مساعدة في ترويض تلك الصغيرة؟
سناء، بشر يتطاير من عينيها: لا، اذهب لعملك أنت، ودعني لها.
فتحت الباب على مصراعيه، ودخلت بتكبر وتعالٍ، قائلة:
سناء: هاكِ فطورك يا ابنتي.
سها: ماذا؟ هل تلك اللقمة تعتبرينها وجبة إفطار؟
سناء: احمدي الله أني أعطيكِ إياه.
سها: لا حاجة لي به، فأنا أريد الموت عوضًا عن الحياة معكِ، أيتها الساحرة الشريرة.
أشعلت فتيل الغضب لديها أكثر، وقالت بصوت يشبه فحيح الأفاعي:
سناء: أنا لست كذلك، بل أنا أسوأ من ذلك، وسترين.
قامت بإبراحها ضربًا، وجعلتها تصرخ تحت يديها، كما أنها كانت تشد خصلات شعرها حتى كادت تقتلعها، بقسوة، وهي تلعن اليوم الذي تزوج والدها منها. لقد أقحمها بامرأة لا تعلم للرحمة طريقًا. وبعدها أمرتها أن تعد الطعام، وتنظف البيت، بجانب المطبخ، وترتب غرفة ابنها، لتظل على الدوام غرفة تليق بأميرها اللزج.
سناء: هيا يا عديمة الفائدة، لعملك الخاص، بعدها سأرى ما الذي أفعله معك.
قامت وهي تئن من جسدها النحيل والمتعب، إثر ضربها لها كلما تطاولت بلسانها. فوجئت بتلك التي تمسك ملعقة، بعد وضعها على النار حتى تحولت إلى اللون الأحمر، مهددةً إياها إن تلفظت بحرف مما حدث معها لوالدها، ستكوي كل شبر منها، ولن ترحمها إن طلقها زوجها. أومأت إليها برعب جلي في عينيها من نظرتها، ومشهد الملعقة وهي تهدد بحرقها بها.
سها، بإنهاك: لقد انتهيت من كل ما طلبته مني.
سناء، بتشفٍ: قولي بعدها: تنهي كلماتك لمولاتك، يا سيدتي، أو مولاتي، يا غبية.
سها: حسنًا، حسنًا يا مولاتي، هل تريدين شيئًا آخر، أم يمكنني أن أرتاح قليلًا؟
سناء، بضحك: ترتاحين؟ لا أيتها الحمقاء، إن الحياة لا يوجد بها راحة، خاصة معي.
سها: ما الذي تريدينه مني أيضًا يا مولاتي؟ لقد فعلت كل شيء بالمنزل، لم يعد هناك شيء لأفعله.
سناء، بتسلية بهيئتها المنهكة والجائعة منذ الأمس: هناك حوائط الغرف والصالة، أريدها أن تلمع كما المطبخ والحمام.
سها، بصدمة: حوائط البيت كله؟ حرام عليكِ، لا طاقة لي، بعد أن نظفت ورتبت، كما أنني طهيت الطعام، ونظفت المطبخ، وغسلت المواعين، بجانب السجاد الذي لم يمر عليه يومان، وقمت بتلميعه أيضًا.
سناء: حرام عليَّ؟ حسنًا، أنتِ من طلبتها، وستنالينها بالطبع.
صرخت بهلع من الملعقة التي أعادت وضعها على النار، وهي تدنو منها بشر:
سها: لا، لا، سأفعله، حسنًا، كنت أمزح معكِ.
هرولت إلى الحمام لتجلب أدوات التنظيف، داعيةً أن تتخلص من ذلك العذاب الذي تعيشه مع زوجة أبيها.
عاد مسعود من عمله قبل والده، ليلهو مع أخته من الأب ككل يوم، وهو لا يراها كشاب بعمر الثامنة والعشرين، سوى فاكهة طازجة آن الأوان لقطفها والتلذذ بمذاقها.
سناء: هل أتيت يا أميري؟
مسعود: نعم، وأتضور جوعًا يا أمي الحبيبة.
سناء، بصوت جهوري: أنتِ أيتها الكسولة، تعالي لإحضار الطعام لأميري الحبيب، ذا الوجه الحسن.
سها: كل ما فعلته منذ الصباح، وكسولة أيضًا! كما أن ذلك البغل البدين حسن الوجه وأمير! ثم صاحت بصوتها المتعب: نعم، ها أنا قادمة يا مولاتي.
مسعود: ذلك اللقب يليق بكِ يا أمي الحبيبة.
سها: تفضل أيها الأمير، هل يمكنني أن أنام الآن يا مولاتي؟
سناء: نعم، فأنتِ منذ الصباح كنتِ عند رفيقتك، متعبة طوال اليوم، هذا ما ستقولينه عندما يسألك والدك. ضعي الطعام في أطباقه التي تحفظه ساخنًا، واذهبي إلى الجحيم.
سها، بانصياع: حسنًا يا مولاتي.
مسعود: هل قسوتِ عليها اليوم كثيرًا يا أمي؟ إنها تكاد يُغشى عليها وهي واقفة.
سناء، بسخرية: أيها الأمير الحنون، هل تعاطفت الآن معها يا حبيبي؟
مسعود، بعقلانية: لا يا أمي، إن مرضت، لن يقول أبي إنها تدلل نفسها ولا تريد الطعام، سيرى أنكِ مقصرة معها؛ لأنها لا تخرج من البيت، فهي معك طوال اليوم، وإن لاحظ تعبها، فلن تنطلي عليه كذبة أنها مريضة بالبرد وما شابه.
سناء، باقتناع بحديث ابنها: تظل ابنته، ويحبها، حسنًا، لا تقلق أنت بشأن ذلك الأمر.
استيقظت سها فزعة من صوت زوجة أبيها…
… يتبع
![]()
