بقلم الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
سارت المرأة العجوز بخطوات ثابتة داخل الزقاق الضيق، بينما تبعها آدم وليان في صمتٍ ثقيل. لم يكن أيٌّ منهما يعرف لماذا يثق بها، لكن شعورًا غريبًا كان يخبرهما أن هذه المرأة لا تكذب.
في نهاية الزقاق، توقفت أمام منزل قديم تحيط به أشجار الياسمين. أخرجت مفتاحًا نحاسيًا صغيرًا من جيب معطفها، وفتحت الباب ببطء.
دخل الثلاثة.
كان المنزل بسيطًا، لكن جدرانه امتلأت بصور قديمة وساعات عتيقة وكتب صفراء مرَّ عليها الزمن.
أغلقت المرأة الباب بإحكام، ثم أسدلت الستائر.
التفتت إليهما وقالت:
“اجلسا… فقد انتظرت هذه الليلة أكثر من خمسةٍ وعشرين عامًا.”
جلس آدم وليان متجاورين على الأريكة، بينما بقيت المرأة واقفة أمامهما.
قال آدم مباشرة:
“من أنتِ؟”
ابتسمت ابتسامة هادئة.
“اسمي أمينة… وكنت الصديقة الأقرب لوالديكما.”
نظر آدم إليها بدهشة.
وقالت ليان بسرعة:
“إذن… هل كانا يعرفان بعضهما؟”
أومأت أمينة برأسها.
“بل كانتا عائلتيكما تربطهما صداقة قوية جدًا، وكان بينهما عهد قديم، لكن ذلك العهد تحوّل إلى كابوس في ليلة واحدة.”
ساد الصمت.
أكملت أمينة:
“لا… أنتما لستما قريبين، ولا تربطكما أي صلة دم كما قد يخطر ببالكما. كل ما يجمعكما هو السر الذي حاول الجميع دفنه.”
تنفس آدم وليان براحة، بينما ازدادت حيرتهما.
اقتربت أمينة من خزانة خشبية قديمة، وأخرجت منها صندوقًا صغيرًا مغطى بطبقة من الغبار.
وضعته على الطاولة.
قالت:
“هذا الصندوق سلّمني إياه والد آدم قبل وفاته بأيام.”
نظر آدم إليها بصدمة.
“أبي… مات في حادث.”
هزت أمينة رأسها ببطء.
“هكذا قيل لكم.”
سقطت الكلمات على قلبه كالصاعقة.
وقف من مكانه وقال بانفعال:
“ماذا تقصدين؟”
قالت وهي تنظر مباشرة في عينيه:
“والدك لم يمت في حادث… لقد قُتل.”
ارتجفت يد آدم.
أما ليان، فوضعت يدها على كتفه دون أن تشعر.
نظر إليها للحظة.
كانت أول مرة يشعر فيها أن وجود شخص بجواره يخفف عنه هذا الثقل.
لم تسحب يدها.
ولم يطلب منها ذلك.
فتحت أمينة الصندوق.
كان بداخله ظرف قديم، وصورة تجمع رجلين يبتسمان، وبينهما طفل صغير وطفلة صغيرة.
نظر آدم إلى الصورة.
ثم همس:
“هذا… أنا.”
أشارت ليان إلى الطفلة وقالت بصوت متردد:
“…وهذه أنا.”
قالت أمينة:
“التقطت هذه الصورة قبل الليلة التي انقلب فيها كل شيء.”
وقبل أن تمد يدها لتعطيهما الظرف…
سمع الثلاثة صوت تحطم زجاج النافذة.
ثم دخل سهمٌ معدني صغير ليستقر في منتصف الطاولة…
وكان مربوطًا به ورقة كُتب عليها بخطٍ أحمر:
“ابتعدوا عن الماضي… وإلا فلن يبقى أحدٌ منكم حيًا.”
انتظر الجزء القادم
![]()
