...
IMG 20260630 WA0002

الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

لم يكن يعلم أن الإنسان قد يقابل شخصًا واحدًا فقط

 

ثم يشعر أن كل الطرق التي سار فيها قبل ذلك كانت تقوده إليه

 

كان عمر يعيش حياة عادية جدًا

 

في الخامسة والعشرين من عمره

 

يعمل في مكتبة كبيرة وسط المدينة

 

يحب الكتب أكثر من الكلام

 

وكان يؤمن أن الحب الحقيقي مجرد حكايات جميلة نقرأها في الروايات

 

أما الواقع

 

فشيء مختلف تمامًا

 

وفي صباح هادئ

 

دخلت فتاة إلى المكتبة

 

كانت تحمل دفترًا صغيرًا وتبحث عن كتاب معين

 

ظلت تسأل الموظفين لكن لم يجده أحد

 

حتى اقترب منها عمر وقال بهدوء

 

لو تحبي أساعدك ممكن ألاقيه

 

ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت

 

أتمنى

 

اسمي سارة

 

بحث عمر بين الرفوف لعدة دقائق

 

ثم عاد يحمل الكتاب

 

ناولها إياه

 

فنظرت إليه بفرحة حقيقية

 

وقالت

 

أنا بلف عليه من أسبوع كامل

 

ابتسم لأول مرة منذ أيام

 

وقال

 

واضح إنه كان مستنيكي

 

ضحكت سارة

 

وكانت تلك الضحكة بداية شيء لم يكن أي منهما يتوقعه

 

بعد ذلك أصبحت تزور المكتبة كثيرًا

 

أحيانًا لتشتري كتابًا

 

وأحيانًا بلا سبب

 

وكان عمر ينتظر دخولها كل يوم دون أن يعترف لنفسه بذلك

 

بدأت الأحاديث بينهما تكبر

 

من الكتب

 

إلى الموسيقى

 

ثم الأحلام

 

ثم الطفولة

 

ثم الخوف

 

ثم الحياة كلها

 

كان يشعر معها أنه لا يحتاج إلى التظاهر

 

ولا إلى اختيار كلماته

 

كان يتحدث بعفويته

 

فتستمع وكأن كل كلمة تعني لها شيئًا

 

وفي أحد الأيام

 

قالت له وهي تنظر إلى المطر خلف الزجاج

 

أنا بحب المطر

 

قال

 

ليه

 

ابتسمت وقالت

 

لأنه الحاجة الوحيدة اللي بتنزل من السما من غير ما تستأذن حد

 

ومن يومها

 

كلما هطل المطر

 

تذكرها

 

ومرت الشهور

 

وأصبحت سارة جزءًا من يومه

 

إذا تأخرت في الحضور

 

ظل ينظر إلى باب المكتبة كل عدة دقائق

 

وإذا جاءت

 

اختفى تعبه كله

 

أما هي

 

فكانت تجد في وجوده راحة لم تعرفها من قبل

 

كانت تخبره بكل شيء

 

عن والدها

 

وعن والدتها

 

وعن طفولتها

 

وعن مخاوفها

 

حتى أسرارها الصغيرة

 

كانت تشعر أن قلبها في أمان معه

 

وفي مساء هادئ

 

جلسا على مقعد يطل على النيل

 

كانت الشمس تغيب ببطء

 

والهواء يداعب خصلات شعرها

 

قال عمر وهو ينظر إلى الماء

 

أنا طول عمري كنت فاكر إن الحب كلام بيتكتب في الروايات

 

بصت إليه سارة بصمت

 

فأكمل

 

لحد ما قابلتك

 

سكتت للحظات

 

ثم قالت وهي تبتسم

 

وأنا طول عمري كنت بخاف أحب

 

لكن معاك

 

الخوف اختفى

 

نظر إليها طويلًا

 

ثم أمسك يدها لأول مرة

 

كانت يدها ترتجف

 

لكنها لم تسحبها

 

بل اقتربت أكثر

 

وقالت بصوت خافت

 

أنا بحبك يا عمر

 

شعر وكأن العالم توقف

 

لم يسمع شيئًا بعدها

 

فقط صوت قلبه

 

وقال وهو يبتسم وعيناه تمتلئان بالدموع

 

وأنا بحبك من أول يوم شفتك فيه

 

ومنذ ذلك اليوم

 

أصبحت الحياة أجمل

 

كانا يخرجان معًا

 

يمشيان لساعات دون أن يشعر أي منهما بالوقت

 

يشربان القهوة في نفس المكان

 

ويتبادلان الكتب

 

ويكتبان رسائل ورقية لبعضهما رغم وجود الهواتف

 

وكان عمر يحتفظ بكل رسالة

 

داخل صندوق خشبي صغير

 

ويقول دائمًا

 

دي أغلى حاجة عندي

 

وفي عيد ميلادها

 

أخذها إلى مكان مرتفع يطل على المدينة كلها

 

كانت الأضواء تلمع في الأسفل

 

وأخرج من جيبه خاتمًا بسيطًا

 

وقال

 

يمكن مش أغلى خاتم في الدنيا

 

لكن أوعدك

 

إن القلب اللي بيقدمهولك

 

عمره ما هيعرف يحب غيرك

 

بكت سارة من شدة الفرحة

 

وقالت

 

حتى لو الدنيا كلها وقفت ضدنا

 

أنا هفضل جنبك

 

مرت الأيام

 

وجاءت بعض الخلافات الصغيرة

 

وسوء الفهم

 

وضغوط الحياة

 

لكنهما كانا يعودان دائمًا لبعضهما

 

لأن كل واحد منهما كان يعرف

 

أن الحب ليس أن تعيش أيامًا بلا مشاكل

 

بل أن تتمسك بمن تحب

 

حتى وسط المشاكل

 

وبعد عامين

 

وقف عمر بجوارها يوم زفافهما

 

نظر إليها وهي ترتدي فستانها الأبيض

 

وقال في نفسه

 

كل الطرق اللي مشيتها في حياتي

 

كانت علشان أوصل للحظة دي

 

ابتسمت له

 

وكأنها سمعت ما يدور في قلبه

 

وبعد سنوات

 

رزقهما الله بطفلة صغيرة

 

أطلقا عليها اسم نور

 

وفي إحدى الليالي

 

كانت نور تسأل والدها

 

بابا

 

إنت حبيت ماما ليه

 

ابتسم عمر

 

ونظر إلى سارة التي كانت تراقبه من بعيد

 

ثم قال

 

في ناس جميلة بعنيك

 

وفي ناس جميلة بقلبها

 

لكن مامتك

 

كانت أول إنسانة خلت قلبي يحس إنه أخيرًا لقى بيته

 

نظرت إليه سارة والدموع تلمع في عينيها

 

وقالت وهي تبتسم

 

وأنت كنت أول شخص علمني

 

إن الحب الحقيقي

 

مش بيكون في الكلام الكتير

 

لكن في الأمان

 

وفي الاحترام

 

وفي إنك كل يوم تختار نفس الشخص

 

كأنك بتحبه لأول مرة

 

وهكذا

 

لم تكن قصتهما أعظم قصة حب في العالم

 

لكنها كانت أعظم قصة في حياتهما

 

لأنها بُنيت على الصدق

 

والوفاء

 

والرحمة

 

ولأن القلب

 

حين يجد الشخص الذي يشعر معه بالأمان

 

لا يبحث بعد ذلك عن أحد آخر.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *