...
IMG 20260702 WA0002

الكاتبة نوران عمرو 

 

هناك أماكن لا نعود إليها لأننا نحتاجها، بل لأن شيئًا بداخلنا لا يزال مرتبطًا بها.

 

قد يكون شارعًا مررنا به مئات المرات، أو مقهى جلسنا فيه ذات يوم، أو منزلًا قديمًا لم نعد نسكنه منذ سنوات.

 

ورغم أن حياتنا تغيرت، وأن الأشخاص الذين شاركونا تلك الأماكن قد رحلوا أو تبدلوا، نجد أنفسنا نرغب في العودة إليها من وقت لآخر.

 

ولكن لماذا؟

 

في الحقيقة، نحن لا نعود إلى الأماكن بحثًا عنها، بل بحثًا عن النسخة القديمة من أنفسنا التي تركناها هناك.

 

فعندما نزور مكانًا ارتبط بمرحلة معينة من حياتنا، لا نتذكر الجدران أو الشوارع فقط، بل نتذكر مشاعرنا، وأحلامنا، ومخاوفنا، وطريقة رؤيتنا للعالم في ذلك الوقت.

 

الأماكن لا تحتفظ بالذكريات وحدها، بل تحتفظ أيضًا بجزء من هويتنا.

 

ولهذا السبب، قد نشعر بالحنين إلى فصل دراسي قديم، أو إلى منزل طفولتنا، أو حتى إلى طريق كنا نسلكه يوميًا.

 

والمثير للدهشة أننا عندما نعود، نكتشف أن المكان لم يتغير كثيرًا، لكننا نحن الذين تغيرنا.

 

فننظر إلى الأشياء نفسها بعيون مختلفة، ونفهم مواقف لم نكن نفهمها من قبل، وندرك أن الزمن لم يغير الأماكن بقدر ما غيرنا نحن.

 

وربما لهذا السبب، تحمل العودة دائمًا شعورًا مختلطًا بين الدفء والحزن.

 

دفء لأننا استعدنا جزءًا من ذاكرتنا، وحزن لأننا أدركنا أن بعض الأشياء لا يمكن أن تعود كما كانت.

 

لكن هذا لا يعني أن العودة كانت خطأ.

 

فعلى العكس، أحيانًا نحتاج أن نعود إلى الماضي للحظات، ليس لكي نبقى فيه، بل لكي ندرك إلى أي مدى وصلنا.

 

في النهاية، لا نعود إلى الأماكن القديمة لأننا نرفض الحاضر، بل لأننا نريد أن نطمئن على النسخ السابقة من أنفسنا.

 

وربما أجمل ما في الأمر، أننا عندما نغادرها مرة أخرى، نكتشف أننا لم نعد الأشخاص أنفسهم الذين غادروها المرة الأولى.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *