رسالة عُثر عليها داخل ملف تحقيق قديم
إذا قرأت هذه القصة حتى النهاية فلا تعد إلى أي ممر مظلم وحدك بعد منتصف الليل
ليس لأن الظلام مخيف
بل لأن بعض الأشياء لا تظهر إلا لمن عرف قصتها
الكاتب/ عبد الرحمن شعبان سعد
كان الجميع في المدينة يعرف المبنى القديم الذي يقف في نهاية شارع مهجور
مستشفى أُغلق منذ أكثر من ثلاثين عامًا
لا أحد يقترب منه بعد غروب الشمس
ليس بسبب شكله
بل بسبب القصص التي كانت تتكرر عن أشخاص دخلوا إليه ولم يخرجوا كما كانوا
كانوا يعودون بأجسادهم
لكن عيونهم كانت فارغة
وكأن شيئًا ما بقي هناك
في إحدى الليالي
قرر أربعة أصدقاء دخول المستشفى
زياد
وسيف
ونور
ولينا
كانوا يصورون أماكن مهجورة من أجل قناتهم على الإنترنت
وكانوا يعتقدون أن كل القصص مجرد خرافات
قال سيف وهو يضحك
لو طلع شبح هتصور معاه سيلفي
ضحك الجميع
إلا لينا
كانت تنظر إلى المبنى بصمت
وقالت
حاسه إننا لازم نمشي
لكن أحدًا لم يستمع إليها
دخلوا من الباب الحديدي المكسور
فاستقبلتهم رائحة عفن ثقيلة
ورطوبة جعلت التنفس صعبًا
كان المكان ساكنًا بطريقة غير طبيعية
حتى أصوات خطواتهم
كانت تعود إليهم متأخرة
كأن شخصًا آخر يمشي خلفهم
وصلوا إلى الطابق السفلي
وكان هناك ممر طويل
وفي نهايته باب أسود
لا يشبه أي باب في المستشفى
قال زياد
غريب
الباب ده جديد
اقترب منه
لكن قبل أن يلمسه
وجدوا عبارة محفورة على الحائط
آخر واحد يفتح الباب
لن يخرج أبدًا
ابتسم سيف
وقال
واضح إن اللي كتبها كان بيحب الرعب
ثم أمسك المقبض
وفُتح الباب وحده
ببطء
من الداخل
رغم أن أحدًا لم يدفعه
ظهرت غرفة واسعة
فارغة تمامًا
وفي منتصفها
كرسي خشبي قديم
وفوقه جهاز تسجيل صغير
ما زال يعمل
ضغط زياد على زر التشغيل
فخرج صوت رجل عجوز
إذا كنتم تسمعون هذا التسجيل
فقد تأخرتم
المكان الذي تقفون فيه لا يحبس الأجساد
بل يحبس الذكريات
ومن ينظر خلفه بعد الآن
سيرى الشيء الذي ينتظره منذ سنوات
ساد الصمت
ثم انطفأت كل مصابيحهم
وفي الظلام
سمعوا صوت طفل يضحك
ثم صوت امرأة تبكي
ثم صوت رجل يصرخ طالبًا النجدة
عاد الضوء فجأة
لكن لينا لم تعد موجودة
اختفت
كأنها لم تكن معهم أصلًا
بدأ الثلاثة ينادون عليها
ولا رد
وفجأة
سمعوا صوتها يأتي من آخر الممر
كانت تصرخ
ساعدوني
ركض زياد نحو الصوت
لكن كلما اقترب
ابتعد الصوت أكثر
إلى أن وجد بابًا مفتوحًا
دخل الغرفة
فتجمد مكانه
كانت لينا تقف بالفعل
لكن ظهرها كان مواجهًا له
قال
لينا
تعالي بسرعة
بدأت تستدير ببطء
وحين ظهر وجهها
صرخ
لم تكن لينا
كان وجهًا أبيض بلا عينين
وفم طويل مفتوح حتى الرقبة
ثم اندفع نحوه بسرعة لا يمكن لعقل أن يستوعبها
هرب زياد وهو يصرخ
وعاد إلى الممر
لكن سيف لم يكن موجودًا
وجد الكاميرا فقط
ما زالت تسجل
رفعها
وشاهد آخر دقيقة مصورة
ظهر فيها سيف واقفًا وحده
ينظر إلى زاوية فارغة
ثم يقول
مين واقف هناك
وبعدها
ارتفع جسده فجأة في الهواء
واختفى خارج إطار التصوير
سقطت الكاميرا
وانتهى التسجيل
بدأ الخوف يتحول إلى ذعر حقيقي
قالت نور وهي تبكي
إحنا لازم نخرج
ركضا معًا
لكن الممر أصبح أطول
كل باب يفتحانه
يعيدهما إلى نفس المكان
حتى لاحظ زياد شيئًا مرعبًا
عدد الأبواب يزداد
كان حين دخلا خمسة أبواب فقط
الآن أصبحوا عشرات
وكل باب يحمل اسم شخص
وفجأة
وجد بابًا مكتوبًا عليه
زياد
تراجع وهو يرتجف
لكن الباب بدأ يُفتح وحده
خرج منه رجل
يرتدي نفس ملابس زياد
له نفس الوجه
ونفس الصوت
ابتسم وقال
أنا خرجت
ودلوقتي دورك تدخل مكاني
ثم اختفى
بدأت نور تصرخ
لكنها توقفت فجأة
كانت تنظر خلف زياد
وعيناها متسعتان من الرعب
همست
في حد واقف وراك
رفض زياد أن يلتفت
تذكر كلمات التسجيل
ومن ينظر خلفه
سيرى الشيء الذي ينتظره منذ سنوات
لكن الفضول غلبه
استدار ببطء
ولم ير شيئًا
ابتسم للحظة
ثم شعر بأنفاس باردة تلامس أذنه
وجاءه صوت هامس
أنا هنا
لكن لما بصيت
بقيت شايفني
بدأ يجري بلا توقف
بينما كانت الأنوار تنطفئ واحدة تلو الأخرى
وفي كل مرة يلتفت
كان يرى نفس الكائن أقرب
رجل طويل جدًا
جلده رمادي
وذراعاه تلامسان الأرض
ولا يملك عينين
بل حفرتين سوداوين يخرج منهما دخان أسود
وكان يمشي ببطء
لكن المسافة بينهما كانت تختفي بشكل مستحيل
وصل زياد إلى باب الخروج أخيرًا
اندفع نحوه
وخرج إلى الشارع
سقط على الأرض
والشرطة تحيط به
كان الفجر قد طلع
قال لهم وهو يبكي
صحابي جوه
ادخلوا بسرعة
دخلت الشرطة
وبحثت ساعات طويلة
لكنها لم تجد أحدًا
ولا أي أثر للباب الأسود
ولا الطابق الذي وصفه
ولا حتى الكاميرات التي كانت معهم
قال الضابط
إنت دخلت لوحدك
المبنى فاضي من سنين
عاد زياد إلى منزله
لكنه لم يعد كما كان
كل ليلة
في تمام الثالثة صباحًا
كان يسمع طرقًا خفيفًا على باب غرفته
ثلاث طرقات فقط
ولا يجد أحدًا
وبدأ يرى في كل مرآة
شخصًا يقف خلفه
لا يظهر إلا في الانعكاس
وحين يلتفت
لا يجد شيئًا
مرت الشهور
وأصبح لا ينام
ولا يطفئ الأنوار
وفي يوم
دخلت والدته غرفته لتوقظه
فوجدت الباب مفتوحًا
والغرفة فارغة
لكن على الحائط
كانت هناك جملة مكتوبة بخط يشبه الخدوش
لقد فتح الباب أخيرًا
ومنذ ذلك اليوم
لم يُعثر على زياد
لكن سكان الحي يقولون
إنهم أحيانًا إذا مروا بجوار المستشفى القديمة بعد منتصف الليل
يسمعون أربعة أصوات
ثلاثة منها تستغيث
أما الرابع
فيهمس بهدوء شديد
لا تفتحوا آخر باب
![]()
