...
IMG 20260707 WA0058

 

الكاتب: خنساء محمد 

 

 

لم تكن الأبيض مدينةً تُعرَف على الخرائط فحسب، بل كانت حكايةً تُروى، ووجهًا باسمًا يستقبل القادمين، وقلبًا يخفق بالحياة. كانت أسواقها تضج بالناس، وطرقاتها تحفظ خطى العائدين إلى بيوتهم مطمئنين، وكانت خيراتها تكفي لتزرع الأمل في قلوب أهلها.

 

كنا نغني لها، ونفاخر بأنها عروس الرمال، وأنها مدينة الذهب الأبيض، وأنها نبض كردفان، ولؤلؤة السودان.

 

واليوم… لم تعد الأصوات تعلو بالأغنيات، بل بالاستغاثات. بيوتٌ أُغلقت على عجل، وحقائب حُملت بلا وجهة، وأطفالٌ كبروا قبل أوانهم، بعدما صار الجوع رفيقًا، والخوف ظلًا، والتشرّد عنوانًا.

 

أيُّ حربٍ تلك التي تنتصر على مدينةٍ لم تكن تحمل سوى المحبة؟ وأيُّ قسوةٍ تجعل أهل الأرض الخصبة يبحثون عن لقمةٍ وملاذٍ آمن؟

 

الأبيض لا تستحق أن تُروى قصتها بالحزن. مدينةٌ أنجبت الكرم، وربّت على التعايش، وفتحت أبوابها لكل عابر، لا يليق بها أن تصبح خبرًا عن النزوح والجوع.

 

سيأتي يوم… تعود فيه ضحكات الأطفال إلى أزقتها، وتمتلئ الأسواق بالحياة، وتعود الحقول خضراء، ويعود أهلها إلى بيوتهم، لا يحملون سوى مفاتيح الأمل.

 

فالأوطان قد تُثقلها الحروب، لكنها لا تموت. والمدن العظيمة قد تنحني للعاصفة، لكنها تعرف كيف تنهض من جديد.

 

سلامٌ على الأبيض… يوم كانت تُغنّى، وسلامٌ عليها يوم تستغيث، وسلامٌ عليها يوم تعود كما عرفناها: عروسًا للرمال، وقلبًا نابضًا بالحياة.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *