...
IMG 20260707 WA0062

 

 الكاتبة: عاليا عجيزة

 

في مكانٍ ما بين خطوةٍ تظنها اختيارًا محضًا، وحبلٍ خفيٍّ يشدُّك من الخلف بنعومة، تولد الحرية المزيفة. إنها ذلك الشعور المخادع بالانعتاق، الذي يأتيك مغلفًا بوعودٍ براقة، لتكتشف في النهاية أنك لا تملك من أمرك شيئًا، سوى حق التحرك داخل مساحةٍ دائريةٍ رُسمت لك بدقة. تبدو هذه الحرية مذهلةً في البداية؛ تمنحك السماء بأكملها لتطير، لكنها تحدد لك مسبقًا زاوية التحليق، وارتفاع السقف، وحجم الأجنحة المسموح لك بها.

 

تجد نفسك واقفًا في قاعةٍ متسعة، الأبواب كلها مشرعة، والخيارات أمامك تبدو لا تُحصى. قيل لك إنك سيد قرارك، وأن العالم ملك يديك، لكنك كلما حاولت التقدم خطوةً خارج المألوف، تشعر بثقلٍ غريبٍ في قدميك، وكأن الأرض مغناطيسٌ خفيٌّ يُبقيك في نفس البقعة مهما ركضت. هذا الثقل ليس عجزًا جسديًا، بل هو الخوف المزروع في وعيك، الخوف الذي يجعلك تختار السجن الطوعي وأنت تبتسم، ظانًا أنك تمارس قمة حريتك.

 

“أخطر أنواع السجون هي تلك التي لا ترى قضبانها؛ لأنها تجعلك تظن أنك حر، بينما أنت مجرد سجينٍ طيعٍ يتحرك في فناءٍ أوسع، يمجّد سجّانه دون أن يدري.”

 

إن الحرية المزيفة هي خطةٌ بديلةٌ وضعتها الحياة الصاخبة من حولنا لترويض الأرواح المتمردة. في القديم، كان السجن جدرانًا من حجرٍ وحراسًا بأسلحة؛ أما اليوم، فقد تحول السجن إلى منظومةٍ متكاملةٍ من التوقعات الاجتماعية، والالتزامات المادية، والأنماط الاستهلاكية. هي أن تملك حق الكلام والتعبير، ولكن في غرفةٍ معزولةٍ بالصوت، أو وسط ضجيجٍ هائلٍ يبتلع صوتك، فلا يسمعه أحد. هي أن تختار ثيابك، ووظيفتك، وشريك حياتك، وطريقة عيشك، لتستيقظ ذات صباحٍ وتكتشف أنك اخترت كل ذلك من “كتالوج” جاهزٍ صممه لك المجتمع أو وسائل الإعلام، ثم أقنعوك بذكاءٍ بأنك أنت صاحب القرار وصانع هذا المصير.

 

يتجلى هذا الوهم بوضوحٍ في عصرنا الرقمي؛ تظن أنك حر لمجرد أنك تملك شاشةً تنشر عبرها ما تشاء، وتعبر فيها عن غضبك أو حبك. لكن الحقيقة أنك محكومٌ بخوارزمياتٍ خفية، توجه مشاعرك، وتحدد ما تراه وما تُحجب عنه، وتصنع لك بيئةً وهميةً تشبهك تمامًا، لتعزلك عن الواقع الحقيقي. أنت لست حرًا هنا، أنت مستهلكٌ يمنحونه وهم التميز والفرادة، بينما هم يجمعون بياناتك ليحولوك إلى مجرد رقمٍ في معادلة الربح والخسارة. إنه الاستعباد الحديث، حيث يُساق الإنسان إلى حتفه الفكري وهو يشعر بالامتنان والرضا.

 

في هذا الفخ، أنت لا تقاتل سجانًا واقفًا على الباب يمنعك من الخروج، بل تقاتل سجانًا يسكن في داخلك. إنه ذلك الصوت الداخلي المحمل بالتبعية، والمتخفي في زيّ الاستقلال. يهمس لك في كل مرةٍ تحاول فيها الخروج عن النص، أو التفكير خارج الصندوق الذي وُضعت فيه: “أنت حر… طالما أنك تتبع القواعد العامة، وطالما أنك لا تزعج النظام، وطالما أنك تشبه الآخرين.” هذا الصراع الداخلي يُنتج كائنًا مشوهًا؛ يبدو من الخارج حرًا، جريئًا، ومستقلًا، لكنه من الداخل يرتجف رعبًا من فكرة أن يكون مختلفًا حقًا، أو أن يتخذ قرارًا لا يرضى عنه المجموع.

 

هذا الشعور المزيف يحولنا إلى نسخٍ مكررةٍ تدعي التميز. نشتري نفس السلع لنشعر بالرفاهية، ونتبنى نفس الأفكار لنبدو مثقفين، ونسير في نفس المسارات المهنية لنحقق “النجاح” كما يُعرفه الآخرون، لا كما نراه نحن. والأسوأ من ذلك، أننا نصبح حراسًا على بعضنا البعض؛ ننتقد من يكسر القواعد، ونسخر ممن يختار حريته الحقيقية البسيطة؛ لأن خروجه عن القطيع يذكرنا بعبوديتنا المبطنة التي نرفض الاعتراف بها.

 

إن الاستيقاظ من وهم الحرية المزيفة رحلةٌ شاقةٌ ومؤلمةٌ للغاية؛ لأنه يتطلب منك مواجهة ذاتك وتجريدها من كل الأقنعة التي استعارتها لتلائم الوجود. إنه يفرض عليك أن تتساءل أمام كل رغبة، وأمام كل فكرة: “هل هذا أنا حقًا؟ أم أن هذا ما يريدونني أن أكونه؟”

 

ومع ذلك، فإن هذا الألم هو المخاض الحقيقي، والخطوة الأولى نحو الحرية الفوقية. أن تدرك أولًا أين ينتهي اختيارك الفعلي، وتبدأ إملاءات الخوف والاعتياد. الحرية الحقيقية ليست في كثرة الخيارات المتاحة أمامك، بل في قدرتك على رفض هذه الخيارات كلها إذا كانت لا تمثلك، وفي شجاعتك على المشي في طريقٍ موحشٍ ومظلم، فقط لأنه اختيارك أنت، نابعٌ من عمق روحك، دون زيفٍ أو إملاء. الحرية تبدأ من الداخل، حين يتحطم السجان الداخلي أولًا، فتسقط بعده كل القضبان الوهمية في الخارج.

 

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *