الكاتبة: عاليا عجيزة
خلق الله الإنسان حرًا، مكرمًا، ومنحه عقلًا يميز به الخبيث من الطيب، ورسم له طريقًا واضحًا مستقيمًا متمثلًا في الشرع والدين. هذا الدين الذي جاء ليفك الأغلال، ويحرر العقول، ويضع ميزانًا قسطًا للحقوق والواجبات. لكن المفارقة الصادمة في واقعنا المعاصر هي أن الكثير من الناس يختارون طواعيةً أن يتنازلوا عن هذه الحرية الإلهية، ليعيدوا تكبيل أنفسهم بقيود وتقاليد مجتمعية عقيمة، ما أنزل الله بها من سلطان. هنا تحديدًا، يرتكب الإنسان في حق نفسه أظلم الظلم؛ عندما يسلم قياد فكره وحياته لـ«وعي جمعي» مشوه، تاركًا المرجعية الأسمى والأعدل، وهي الدين، ليركع أمام أصنام العادات والتقاليد.
سجن العادات العقيمة والتبعية العمياء
إن الظلم الحقيقي ليس دائمًا سوطًا يُجلد به الآخرون ظهرك، بل هو أحيانًا ذلك السجن الفكري الذي تبنيه لنفسك بمواد خام من «كلام الناس» و«ما وجدنا عليه آباءنا». عندما يخضع الشخص لقيود مجتمع عقيم، دون وعي أو تمحيص، فإنه يلغي كينونته التي كرمه الله بها. يتحول من كائن مفكر مستخلف في الأرض، إلى مجرد صدى لأصوات الآخرين، ونسخة مكررة من أخطاء الماضي.
المجتمعات العقيمة غالبًا ما تنتج منظومة قيم موازية للدين، بل، وفي كثير من الأحيان، متناقضة معه تمامًا. تجد المجتمع يسامح في كبائر الذنوب، ويقسو في صغائر العادات، ويقدس المظاهر على حساب الجوهر، ويحكم على الأفراد بناءً على قوالب جاهزة، كالطبقية، أو العصبية القبلية، أو النظرة الدونية للمرأة في بعض البيئات، وهي أمور هدمها الإسلام جملةً وتفصيلًا. عندما يتماشى الإنسان مع هذه المنظومة العرجاء خوفًا من اللوم، أو رغبةً في «البرستيج» الاجتماعي، فإنه يظلم روحه، ويقتل إبداعه، ويعيش حياةً مستعارة لا تشبهه.
الشرع والدين: المرجعية الأعدل والرحابة المطلقة
إن المقارنة بين أحكام الشرع وقيود المجتمعات العقيمة هي مقارنة بين النور والظلمة، وبين الرحابة والضيق. الدين الإسلامي جاء ثورة على تقاليد الجاهلية؛ جاء ليقول لبلال الحبشي: أنت سيد، وللمرأة المظلومة: أنتِ شقيقة الرجال، ولكِ ذمتك المالية المستقلة، وللفقير: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
«الشرع يطلب منك التقوى والعدل، والمجتمع العقيم يطلب منك التبعية والنفاق.»
المرجع الأساسي يجب أن يكون الوحي، الكتاب والسنة؛ لأن المشرع هو الخالق الخبير بما يصلح للنفس البشرية في كل زمان ومكان. الدين يضع ضوابط تحمي الإنسان ولا تخنقه، وتهذب غرائزه ولا تكبتها، بينما تقاليد المجتمع العقيمة تفرض قيودًا تعجيزية. خذ، على سبيل المثال، منظومة الزواج؛ فالدين ييسره، ويقول: «أقلهن مهرًا أكثرهن بركة»، والمجتمع يعقده بطلب الشكليات، والديون، والمباهاة الكاذبة، حتى ينصرف الشباب عنه إلى الحرام. من الذي يظلم نفسه هنا؟ إنه الإنسان الذي ترك يسر الشرع، واختار عسر التقاليد؛ ليرضي ناسًا لن يغنوا عنه من الله شيئًا.
مظاهر ظلم النفس تحت مقصلة «كلام الناس»
يتخذ ظلم النفس صورًا شتى عندما يتنازل الإنسان عن وعيه لصالح العادات:
الظلم المالي والطبقي: تكبيل النفس بالديون والقروض من أجل إقامة حفلات، أو شراء مستلزمات لا قيمة لها، فقط لأن «العادات تفرض ذلك»، أو لأن فلانًا فعل ذلك.
ظلم المرأة ومصادرة حقوقها: حرمان المرأة من التعليم، أو العمل المشروع بالضوابط، أو حتى حقها في اختيار شريك حياتها، أو إرثها، تحت مسمى «العيب» أو «العادات»، في إنكار صارخ لما كفله لها الشرع.
كبت التميز والإبداع: دفن المواهب، واختيار مسارات مهنية أو حياتية لا تناسب الشخص، فقط لإرضاء النظرة المجتمعية العقيمة التي تمجد مهنًا معينة، وتحقر أخرى.
الوقوع في النفاق الاجتماعي: عيش حياة قوامها الوجه المستعار، حيث يفعل الشخص في العلن ما يرضي المجتمع، وينتهك في الخفاء حدود الله؛ لأن خوفه من الناس بات أعظم من خشيته للخالق.
الوعي هو طوق النجاة
إن الخروج من هذه الدائرة المظلمة يتطلب وعيًا حقيقيًا وشجاعة فكرية. والوعي يبدأ بالقدرة على الفرز؛ أن نقف أمام كل موروث اجتماعي، ونعرضه على مقياس الوحي:
فما وافق الدين، وقبلته الفطرة السليمة، فأهلًا به وسهلًا، كجزء من هويتنا وثقافتنا الطيبة.
وما خالف الدين، أو ضيق على الناس حياتهم بالباطل، وجب نبذه، وإلقاؤه خلف الظهر، دون التفات.
إنك عندما تقف بين يدي الله يوم القيامة، لن تحاسب بناءً على «أعراف منطقتك» أو «تقاليد عائلتك»، بل ستحاسب بناءً على كتاب الله وسنة رسوله. ولن يشفع لك المجتمع حين تظلم نفسك، أو تظلم غيرك، بحجة: «هكذا وجدنا مجتمعنا يفعل».
خاتمة
في النهاية، الحرية الحقيقية هي العبودية لله وحده، والانعتاق من العبودية لغيره، سواء كان هذا الغير شخصًا، أو صنمًا، أو عادات مجتمعية بالية. الإنسان هو من يصنع قيده بيديه عندما يستبدل الذي هو أدنى، تقاليد البشر المتقلبة القائمة على الأهواء والمظاهر، بالذي هو خير، تشريع الخالق القائم على الرحمة والعدل.
ارفع وعيك، واجعل الدين بوصلتك الوحيدة، وتحرر من عُقَد المجتمع العقيم؛ فالحياة أقصر من أن تعيشها كنسخة باهتة ترضي الجميع، وتغضب ربك، وتظلم فيها أثمن ما تملك: نفسك.
![]()
