مقال صحفي من مجلة الرجوة المعتمد
مقال اليوم رقم 6
بقلم الصحفي عبد الرحمن شعبان سعد
يولد الإنسان وهو يحمل بداخله رغبة طبيعية في أن يعيش حياة أفضل وأن يحقق أحلامه وأن يرى ثمرة تعبه وجهده وهذا ما يعرف بالطموح وهو من أجمل الصفات التي تدفع الإنسان إلى التقدم والابتكار والنجاح لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الطموح إلى جشع لا يعرف حدودا فيصبح الإنسان أسيرا للرغبة في المزيد مهما امتلك ومهما حقق
فالطموح يقول لصاحبه اعمل أكثر لتصبح أفضل أما الجشع فيهمس له لن يكفيك ما لديك أبدا وهنا يكمن الفرق الكبير بين الشخص الذي يسعى ليبني نفسه ويخدم مجتمعه وبين من يجعل المال أو المنصب أو الشهرة غاية حياته الوحيدة
وفي واقعنا المعاصر نرى نماذج كثيرة لهذا التناقض فهناك من يجتهد في عمله ليؤمن مستقبل أسرته ويحقق أحلامه وهذا أمر محمود وفي المقابل هناك من يضحي بصحته وأسرته وأخلاقه بل وربما بمبادئه من أجل زيادة رصيده البنكي أو الحصول على منصب أعلى حتى لو كان الثمن ظلم الآخرين أو أكل حقوقهم
والأخطر من ذلك أن الجشع لا يشبع صاحبه أبدا فكلما وصل إلى هدف صنع لنفسه هدفا أكبر وكلما امتلك شيئا بدأ ينظر إلى ما هو أكثر منه ولذلك نجد أن بعض الأغنياء يعيشون في قلق دائم ليس لأنهم فقراء بل لأنهم يخافون فقدان ما يملكون أو لأنهم لا يكتفون بما لديهم
أما الإنسان الطموح فإنه يفرح بكل خطوة يحققها ويشكر الله على ما وصل إليه ثم يواصل السعي دون أن يفقد إنسانيته أو راحته النفسية فهو يعلم أن النجاح الحقيقي لا يقاس بما يملكه الإنسان فقط بل بما يقدمه لنفسه ولمجتمعه
ولذلك فإن الحضارات لم تبن بالجشع وإنما بجهد أصحاب الطموح الذين أرادوا أن يتركوا أثرا طيبا في حياة الناس فالطبيب الذي يسعى لإنقاذ الأرواح والمعلم الذي يربي الأجيال والمهندس الذي يبني والعامل الذي يتقن عمله كلهم أصحاب طموح نافع لأن هدفهم لا يقتصر على المكسب الشخصي بل يمتد إلى خدمة الآخرين
الحلول العملية والإيجابية
أولا اجعل لكل نجاح هدفا ورسالة
اسأل نفسك دائما لماذا أريد أن أنجح فإذا كان الهدف هو تطوير نفسك وخدمة من حولك فستظل في دائرة الطموح الإيجابي
ثانيا تعلم القناعة دون أن تتوقف عن التطور
القناعة لا تعني الكسل بل تعني أن تشكر الله على ما لديك وتسعى إلى المزيد بالحلال وبالطرق المشروعة
ثالثا لا تجعل العمل يسرق حياتك
خصص وقتا لأسرتك وصحتك وعبادتك وراحتك فالنجاح الذي يهدم حياتك الشخصية ليس نجاحا كاملا
رابعا لا تقبل المال بأي وسيلة
إذا كان الطريق إلى الثراء يمر عبر الغش أو الظلم أو استغلال الناس فهو طريق يخسر فيه الإنسان نفسه قبل أن يخسر سمعته
خامسا تذكر أن الأثر أهم من الثروة
بعد سنوات لن يتذكر الناس كم كان في حسابك البنكي لكنهم سيتذكرون كيف عاملتهم وماذا قدمت لهم
أمثلة من الواقع
شاب بدأ مشروعا صغيرا من الصفر وكان حلمه أن يوفر حياة كريمة لأسرته ومع الوقت نجح مشروعه لكنه حافظ على تواضعه واهتم بموظفيه وخصص جزءا من أرباحه لمساعدة المحتاجين هذا نموذج للطموح النبيل
وفي المقابل هناك رجل كان يمتلك تجارة ناجحة لكنه لم يكتف بما رزقه الله فبدأ يغش العملاء ويتهرب من حقوق العاملين لديه ليحقق أرباحا أكبر وبعد فترة فقد ثقة الناس وتراجعت تجارته وأصبح مثالا على أن الجشع قد يهدم سنوات من النجاح
كما نرى موظفا يجتهد ويتعلم باستمرار حتى يحصل على ترقية وهذا طموح مشروع لكن إذا بدأ في تشويه زملائه أو نشر الشائعات عنهم ليصل إلى المنصب فقد تحول طموحه إلى جشع يؤذي الجميع
الرؤية الإسلامية
يدعو الإسلام إلى السعي في طلب الرزق لكنه يحذر من الطمع والجشع
قال الله تعالى
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾
سورة القصص الآية 77
وقال سبحانه
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾
سورة البقرة الآية 188
وتبين هذه الآيات أن الإسلام يشجع على العمل والكسب لكنه يربط ذلك بالأمانة والإحسان والابتعاد عن الظلم
من الأحاديث النبوية الصحيحة
قال رسول الله ﷺ
احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز
رواه مسلم
وقال ﷺ
لو أن لابن آدم واديا من ذهب لأحب أن يكون له واديان ولن يملأ فاه إلا التراب
متفق عليه
وتجمع هذه الأحاديث بين الدعوة إلى الاجتهاد النافع والتحذير من الطمع الذي لا يعرف نهاية
الرؤية المسيحية
يدعو الكتاب المقدس إلى الاجتهاد مع القناعة ويحذر من محبة المال
جاء في الرسالة الأولى إلى تيموثاوس
لأن محبة المال أصل لكل الشرور
تيموثاوس الأولى الإصحاح السادس العدد العاشر
وجاء في سفر الأمثال
البركة هي التي تغني ولا يزيد معها تعبا
أمثال الإصحاح العاشر العدد الثاني والعشرون
من تعاليم السيد المسيح والرسل
قال السيد المسيح
ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه
مرقس الإصحاح الثامن العدد السادس والثلاثون
وقال الرسول بولس
وأما القناعة فهي تجارة عظيمة
تيموثاوس الأولى الإصحاح السادس العدد السادس
وتؤكد هذه التعاليم أن النجاح الحقيقي لا يقاس بما يجمعه الإنسان من مال بل بما يحفظه من قيم ومبادئ
خاتمة
إن الطموح هو الوقود الذي يدفع الإنسان إلى التقدم أما الجشع فهو النار التي قد تحرق كل ما بناه فاسع إلى النجاح بكل قوتك واعمل بإخلاص وطور نفسك باستمرار لكن لا تجعل المال أو المنصب أو الشهرة تسرق منك إنسانيتك فالحياة لا تقاس بما نملك فقط وإنما بما نتركه من أثر طيب في قلوب الناس وبما نحمله معنا من عمل صالح وأخلاق كريمة
![]()
