...
IMG 20260712 WA0004

 

الكاتبة رفيدة فتحي

 

 

يا إلهي! كيف حدث كل ذلك؟

 

في صحراءٍ مترامية الأطراف، يقف كوخي الوحيد بجوار ذلك الجبل العليل. عشرون عامًا كاملة مضت، ولم أغادر هذا المكان يومًا. أصبحتُ أعرف كلَّ ذرةِ رملٍ فيه، وكلَّ نسمةِ ريحٍ تعبره، حتى خُيِّل إليَّ أن الصحراء تعرفني كما أعرفها.

 

أصدقائي المقرَّبون اثنان لا ثالث لهما.

 

أولهما شطشوط… هكذا سميته؛ لأنه عندما ولدته أمه، وبعد أسبوعين وثلاثة أيام وخمس ساعات، كاد أن يلتهم طعامي الحار دون أدنى تردد. كان جروًا صغيرًا، لكنه يمتلك جرأةً لا يمتلكها كثيرٌ من الكبار، وكأن الخوف لم يُخلق له.

 

أما الآخر، فهو رفيقي ذئبوب، ذلك الذئب الذي اعتاد الجلوس إلى جواري فوق الجبال العتيقة. كان يقضي الساعات صامتًا، لا يصدر صوتًا، ولا يتحرك إلا نادرًا، حتى إن سكونه كان يبعث في النفس رهبةً أكثر من عوائه.

 

وفي إحدى الليالي الباردة، حين كان الظلام يكاد يبتلع الصحراء، جلستُ أمام النار التي اعتدتُ إشعالها كل مساء، أتأمل السماء.

 

التفتُّ إليه وقلت، وكأنه يفهم كل كلمة أنطق بها:

 

«ما أجمل السماء الزرقاء، وما أبهى هذا القمر! انظر… تلك الغمامة السوداء ستخفيه بعد لحظات.»

 

لكنه لم ينظر إلى الغمامة قط.

 

ظل يحدق في اتجاهٍ آخر، ثم نهض فجأة. اتسعت عيناه على غير عادته، وثبت نظره في الظلام دون أن يطرف له جفن.

 

استغربتُ تبدله المفاجئ، لكنني لم أُعر الأمر اهتمامًا كبيرًا.

 

وفجأة…

 

مزق عواؤه سكون الليل، ثم اندفع يعدو بكل ما أوتي من قوة، حتى ابتلعه الظلام.

 

ابتسمتُ وقلت في نفسي:

 

«لا بد أنها فريسةٌ جديدة.»

 

لكن، بعد لحظات، عاد مسرعًا نحوي، وأمسك بثيابي بأسنانه، وجذبني بقوة.

 

«آه… يا إلهي!»

 

تجمد الدم في عروقي، وظننتُ أنه غدر بي، وأنني أصبحتُ أنا الفريسة هذه المرة.

 

لكن سرعان ما أدركتُ أنه لا يريد إيذائي، بل يريدني أن أنهض.

 

أفلت ثوبي، ثم ركض من جديد.

 

لم يكن أمامي سوى أن أتبعه.

 

ركضتُ خلفه طويلًا، حتى أثقل التعب قدمي، وانقطع نفسي، وأصبحتُ أترنح يمينًا ويسارًا، ولم أعد قادرًا على مواصلة السير.

 

توقفت.

 

أما هو، فاستدار نحوي، وكشف عن أنيابه، وأطلق نظراتٍ حادةً لم أعهدها فيه من قبل، وكأنه يجبرني على الاستمرار.

 

استسلمتُ لرغبته، وعدتُ أركض خلفه.

 

ومضى بنا الوقت…

 

وبعد ما يقارب نصف ساعة، توقف فجأة، ثم أطلق عواءً طويلًا اخترق سكون الصحراء.

 

تقدمتُ بضع خطوات بحذر…

 

وفجأةً، شعرتُ بأن الأرض اختفت من تحت قدمي.

 

تراجعتُ في اللحظة الأخيرة، وكدتُ أسقط في فراغٍ هائل.

 

تلمستُ المكان بسرعة، وجمعتُ بعض الأخشاب اليابسة، ثم أشعلتُ النار.

 

ارتفع اللهب شيئًا فشيئًا، وبدأ الظلام يتراجع.

 

وحين ألقى الضوء بأول خيوطه على ما أمامي…

 

انكشف المجهول.

 

كانت هناك حفرةٌ عميقةٌ، واسعةٌ على نحوٍ مرعب، لا يظهر لها قرار.

 

اقتربتُ منها ببطء، ثم نظرتُ إلى داخلها…

 

وفي تلك اللحظة…

 

تجمدت أنفاسي.

 

واتسعت عيناي.

 

وشعرتُ بقشعريرةٍ تسري في جسدي كله.

 

ما رأيته هناك…

 

لم يخطر ببالي قط.

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *