...
IMG 20260712 WA0003

 

 الكاتب: سعيد بدر (عاشق الرعب)

 

الفصل الأول: دماء على الحرير

 

كانت ريم تجلس في زاوية الملهى الليلي، ترتدي فستانًا أحمر ضيقًا يلتصق بجسدها كما يلتصق الذنب بالروح. سيجارتها الدخانية ترسم هالاتٍ في الهواء المكيف، وعيناها تراقبان الرجال كالصقر الذي يترقب فريسته. كانت تعرف كل رجل يدخل المكان، تعرف رائحة أمواله، وتعرف ضعفاته.

 

لكن تلك الليلة كانت مختلفة.

 

دخل الرجل مرتديًا بدلة سوداء، يحمل حقيبة جلدية، وعيناه تبحثان عن شيء محدد. لم يكن كغيره من الزبائن؛ لم ينظر إلى جسدها أولًا، بل إلى يديها. أحست ريم بقشعريرةٍ تسري في عمودها الفقري حين التقت عيناها بعينيه.

 

— «ريم؟» سأل بصوت خفيض.

 

— «من أنت؟» ردت بحذر، وهي تشعر بيدها تبحث عن سكينها الصغير المخبأ في حزام فستانها.

 

— «أنا من سيعيد لكِ كرامتك… مقابل شيء بسيط.»

 

 

 

الفصل الثاني: لعبة القط والفأر

 

لم تصدق ريم كلماته في البداية. كيف يمكن لرجل غريب أن يعيد لها ما فقدته منذ أن كانت طفلةً في شوارع القاهرة؟ تلك الليلة التي سُلبت فيها براءتها على يد رجال، زبائن والدتها المدمنة. تلك الليلة التي حولتها إلى ما هي عليه الآن.

 

لكن الرجل، الذي عرفت اسمه لاحقًا «راكان»، كان جادًا. فتح حقيبته وأخرج ملفًا سميكًا يحتوي على صورٍ وأسماء. كل الأسماء التي كانت تعني لها شيئًا… كل الوحوش التي شكلت ماضيها المظلم.

 

— «ماذا تريد مني مقابل هذا؟» سألت بصوت يرتجف من الغضب المكبوت.

 

— «أريدك أن تصبحي سيفي في الظلام. أنا أدير شبكةً من القتلة، لكنني بحاجة إلى امرأة… امرأة لا يشك فيها أحد. عاهرة سابقة تتحول إلى قاتلة محترفة. من يتوقع ذلك؟»

 

ضحكت ريم ضحكةً باردة، وهي تشعل سيجارةً أخرى.

 

— «وماذا لو رفضت؟»

 

— «إذًا ستبقين هنا، تبيعين جسدك لرجال لا يهتمون حتى باسمك، حتى يذبل جمالك، وتموتين وحيدةً كما وُلدتِ.»

 

 

 

الفصل الثالث: الميلاد الثاني

 

تدربت ريم لمدة ستة أشهر. تعلمت فنون القتال، واستخدام الأسلحة، وكيف تخفي أثرها. كانت تتذكر كل ليلةٍ في التدريب وجوه الرجال الذين دنسوا طفولتها. كل لكمة كانت موجهةً لهم، وكل رصاصة كانت انتقامًا لم يتحقق بعد.

 

وفي ليلة اكتمال التدريب، جاءها أول تكليف.

 

— «رجل أعمال معروف… يتاجر بالأطفال.» قال راكان، وهو يدفع لها ملفًا.

 

نظرت ريم إلى الصورة، وإلى عنوان الفيلا الفاخرة في ضواحي المدينة. لم تتردد. ارتدت ثوبها الأسود الضيق، وعلقت مسدسها في حزامها، ووضعت سكينها في كمها.

 

تسللت إلى الفيلا كالظل، عبر الأسوار العالية ونظام الحراسة المشدد. وجدته في غرفة نومه، يغط في نومٍ عميق. وقفت فوقه للحظة، تتأمل وجهه الذي لا يوحي بشر. ثم همست في أذنه:

 

— «هل تتذكر طفلةً من الزقاق؟ عمرها سبع سنوات؟ كنت تحب اللعب بشعرها الأشقر؟»

 

فتح عينيه مذعورًا، لكنها كانت أسرع منه. سكينها قطعت حنجرته قبل أن يصدر صوتًا.

 

 

 

الفصل الرابع: الوردة السوداء

 

انتشر اسم «الوردة السوداء» في عالم الجريمة السفلي. كل من كان يعرفها كعاهرة فاخرة في الملاهي الليلية صُدم حين علم أنها أصبحت أشهر قاتلة مأجورة في الشرق الأوسط.

 

لكن ريم لم تكن تقتل لأجل المال فقط. كانت تنتظر، وتترقب. كل اسمٍ في ذلك الملف القديم كانت تشطبه واحدًا تلو الآخر. كانت رحلتها انتقامًا أكثر منها مهنة.

 

وفي إحدى الليالي، بينما كانت تعد خطةً لتصفية تاجر المخدرات الذي كان السبب في إدمان والدتها، جاءها راكان بطلبٍ غريب.

 

— «هناك مهمة خاصة… عميل يريد تصفية قاضٍ نزيه. أموال طائلة.»

 

نظرت إليه ريم بعينين جليديتين.

 

— «القاضي منير؟ الرجل الذي يحارب الفساد؟»

 

— «نعم، ومقابل ذلك… سأغلق ملفك القديم. ستنتهي مهمتك، وستصبحين حرة.»

 

ابتسمت ريم ابتسامةً لم يرها راكان من قبل؛ ابتسامة من كانت تخطط لشيءٍ ما منذ زمنٍ طويل.

 

— «موافق.»

 

 

 

الفصل الخامس: الخيانة الأخيرة

 

في ليلة الموعد المقرر، دخلت ريم إلى مقر القاضي منير. لكنها لم ترفع سلاحها نحوه. نظرت إليه طويلًا، ثم أخرجت ملفًا من تحت معطفها.

 

— «يا سيدي القاضي… أريد أن أدلي باعتراف، عن شبكةٍ من القتلة، وعن رجل يدعى راكان يديرها، وعن جرائم ارتُكبت بحقي وحق العديد من النساء والفتيات.»

 

نظر إليها القاضي منير بحذر.

 

— «لماذا تأتيني بهذا الآن؟»

 

— «لأن الكرامة ليست في الانتقام فقط… الكرامة في أن يعرف العالم الحقيقة.»

 

في تلك اللحظة، انفجر باب المكتب، ودخل راكان ومعه رجال مسلحون.

 

— «خنتِني يا ريم؟ بعد كل ما فعلته من أجلك؟»

 

نظرت إليه ريم بتحدٍ.

 

— «لقد حولتني إلى قاتلة، يا راكان. لكنك نسيت شيئًا واحدًا… أنا كنت دائمًا أقاتل من أجل البقاء، والآن سأقاتل من أجل العدالة.»

 

 

 

الفصل السادس: معركة النهاية

 

انطلقت الرصاصات. تحولت غرفة القاضي إلى ساحة حرب. كانت ريم تتحرك كالراقصة بين الطلقات، تستخدم كل ما تعلمته في أشهر التدريب. سقط رجال راكان واحدًا تلو الآخر.

 

أما راكان نفسه، فكان ماهرًا. تبادلا إطلاق النار، وتنقلا بين الأثاث المقلوب. وفي لحظةٍ حاسمة، أصابت رصاصة راكان كتف ريم، لكنها لم تتوقف. قفزت نحوه، وسكينها في يدها.

 

— «لقد صنعتني يا راكان… لكنك نسيت أن الوحش الذي تصنعه قد يلتهم صانعه.»

 

طعنته في صدره، وشاهدت عينيه تنتقلان من الحياة إلى الموت. ثم سقطت هي أيضًا من فقدان الدم.

 

 

 

الخاتمة: ميلاد جديد

 

استيقظت ريم في المستشفى، وبجانبها القاضي منير. نظر إليها طويلًا، ثم قال:

 

— «لقد قرأت ملفك، وعرفت قصتك. المحكمة ستخفف عنك عقوبةً كبيرة، لكنك ستبقين في السجن لبعض الوقت.»

 

ابتسمت ريم بضعف.

 

— «أنا معتادة على القيود، سيدي القاضي. لكن هذه المرة… القيد سيكون من أجل غدٍ أفضل.»

 

وبعد خمس سنوات، خرجت ريم من السجن. لم تعد عاهرة، ولا قاتلة. أصبحت كاتبة، تكتب مذكراتها عن عالم الجريمة السفلي، وعن النساء اللواتي تحولن إلى وحوش؛ لأن المجتمع جعلهن كذلك.

 

وكتبت في آخر صفحة من مذكراتها:

 

> «الوردة السوداء تزهر في الظلام… لكنها تبحث دائمًا عن النور.»

 

 

 

— النهاية

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *