...

كيك المانجو

يوليو 14, 2026
IMG 20260629 WA0000

 

الكاتبه المحبة لله

 

سها، بهلع: ما الذي حدث، منال؟

 

منال: يقولون إن لصًا دخل إلى البيت وسرقه، كما أنه قتل مسعود ووالدته.

 

سها، بداخلها: الحمد لله دائمًا وأبدًا، هكذا لن يُكشف أمري.

 

منال: أين هاتفك؟ لا بد أن نخبر عمي حسام.

 

سها: إنه معه، لقد أخذه مني، لكن كيف ماتوا؟ ومن الذي سرق البيت؟ أبي، أين أنت؟

 

منال: اهدئي قليلًا، أبي سيتصل به. لقد سافر بعدما خرجنا بقليل.

 

سها، لنفسها: هكذا أنا وأبي، لن يجرؤ أحد على اتهامنا بموتهم.

 

راشد: على رسلك يا ابنتي، إلى أين تذهبين؟ الشرطة بالمنزل تقوم بالتحقيقات.

 

سها: أريد الاطمئنان على أبي، أين هو؟

 

راشد: برغم ما فعله معك، لا تزالين تريدين الاطمئنان عليه؟

 

سها، بكلمات ذات مغزى: لقد رحل من عكّر صفو حياتنا، وهو بالنهاية والدي.

 

تدارك منال ووالدها معنى حديثها، بقتل المجهول لزوجة أبيها وابنها، ولن يفكر والدها بالزواج من أخرى، أو هي من ستقنعه بذلك.

 

دق الباب، معلنًا عن زائر، بشدة، إلى منزل صديقتها.

 

راشد: مساء الخير يا سيدي، كيف لي أن أساعدك؟

 

الضابط: أنت راشد حسين العايني؟

 

راشد: نعم، أنا.

 

الضابط: صديقة ابنتك منال تُدعى سها؟

 

راشد: نعم، إنها هنا في عيد الميلاد. لحظة لأنادي عليها لتأتي إلى حضرتك حالًا.

 

ما إن سمعت سها اسمها من الضابط، أُغشي عليها من فرط خوفها، وظنت أنها فقدت حياتها بعدما كُشف أمرها، وتلك هي النهاية.

 

منال: سها… سها، ما بكِ يا حسنائي؟

 

راشد: أجلبي الماء بسرعة.

 

الضابط: ما الذي حدث لها؟

 

منال، بتوتر: بالطبع هلعت من هيئتكم يا حضرة الضابط.

 

حسام، بعدما جاء في المساء، ذهب إلى منزل رفيقه، حيث كانت ابنته في غرفة صديقتها نائمة، بعدما أخذ الضابط منها كلمتين، وتأكد أنها طوال اليوم لم تطأ المنزل، ولا علاقة لها بالحادث. سأل عنها في قلق:

 

أين ابنتي يا راشد؟

 

منال: عمي، إنها في غرفتي. كانت متعبة، لم تقطع عهدها معك، وهي من طلبت أن تنتظرك هنا. لا يمكنها الذهاب، والبيت حدث ما حدث فيه.

 

حسام: لا عليكِ يا ابنتي، كيف حالها الآن؟

 

راشد: الطبيب قد طمأننا عليها، ستكون بخير. فقط خبر الحادث جعلها تدخل في صدمة عصبية طفيفة، خاصة أنك لم تكن بجوارها.

 

حسام: كنت في القسم منذ قليل، ولم يعثروا بعد على القاتل، وهناك شيء غير مفهوم؛ الوفاة حدثت قبل السرقة بكثير، أي إن الأحاديث كثيرة، بعضها يقول إنها طبيعية، وأخرى تقول إنها بفعل فاعل.

 

سها، بوهن: أبي، متى عدت؟

 

حسام، بمزاح: أنتِ قتلتِ شقيقك وأمك يا ابنتي؟!

 

لم تعلُ الصدمة والشهقة وجه سها فحسب، بل ومنال أيضًا، التي بدورها شهقت معترضة ورافضة لحديثه، كأنه حقيقة، بينما راشد يستنكر كلماته بأنها طفلة لا تقوى على قتل ناموسة. فجأة ضحك حسام على هيئتهم تلك، قائلًا:

 

هم يضحك، والآخر يبكي، كما يقول المثل. أنا فقط أمازحها حتى تخرج مما هي فيه.

 

منال: هكذا ستموت، ولن تخرج من صدمتها يا عمي.

 

جلس راشد يواسي رفيق عمره، الذي فقد اليوم زوجته للمرة الثانية وابنه. هو في حالة لا توصف بكلمات أو بحروف الهجاء كلها، بينما راحت سها في عالم آخر، تغلق عينيها، لكنها لا تنام، وتتذكر ليلة أمس وما حدث فيها إلى الآن.

 

فلاش باك

 

كانت تسير سها بجانب غرفة مسعود، واسترقت السمع إليه ووالدته.

 

سناء: استمع إلي يا بني، هذه الفرصة الوحيدة للتخلص منهما معًا دون الحاجة إلى بذل أي مجهود، فقط كيك الشوكولاتة.

 

أجابها ابنها، بتوتر: إن افتُضح أمرنا سنذهب سدى، ونخرج من المولد بلا حمص.

 

سناء: انظر، ذلك الكيس فيه سم لا يظهر تأثيره إلا غدًا، فنرتاح منهما، ويكون كل شيء لنا.

 

مسعود: خطأ فادح قد نرتكبه يا أمي بحق أنفسنا، لن يرحمنا والدي إن علم، فالسم سيظهر في التحاليل.

 

سناء، بمكر وغل: أتعلم كيف ماتت والدة سها يا أميري؟

 

مسعود، بخوف: لا تقولين… أنتِ… أنتِ التي فعلتها؟!

 

سناء، بضحكة شر: نعم، بالطبع. آنى لي بزواجي من حسام؟ أتظنها تعطيني زوجها بتلك البساطة؟

 

شهقت بصوت منخفض كي لا يسمعها أحد، قائلةً بحسرة وكسرة: أمي… أمي.

 

عزمت على أخذ حق والدتها مهما كلفها الأمر، فهذا قصاص بالنسبة لها.

 

مسعود: لا يخرج هذا التخطيط من رأس وعقل غيرك يا أمي.

 

سناء، بصوت يشبه فحيح الأفاعي: غدًا ستكون خرجة الهانم لزيارة والدتها، ذهاب بلا عودة.

 

عادت إلى غرفتها، وكل شيء مرتب. لا يأكل كيك المانجو سواهم، ستكون نهايتكم على يدي. أنا لست التي ستخرج في اليوم التالي، أيتها الساحرة الشريرة.

 

انتهى الفلاش باك

 

حسام، بحنو: صباح الخير يا حسنائي.

 

سها، بألم: لم أعهد منك ذلك الحنان من قبل، أبي، وإن كنت أراك دائمًا أماني وحمايتي.

 

حسام: كنت أمزح معكِ، لا تعبسي هكذا على الفور.

 

سها: أنت ضربتني لأجلهم، ولم تستمع إلي. باغتني هو بطعنة من الخلف، وأنت من أمامي، أبي.

 

حسام، بشك: ألتلك الدرجة تكرهين شقيقك وأمك، وتريدين أن تنتقمي منهما؟

 

علمت لما يرمي شباكه، وهي لن تنطلي عليها حركته في الإيقاع بها، وإن كانت مجرد شكوك وهواجس يتمنى ألا تتحقق.

 

حسام: لم يأتِ منكِ رد يا ابنتي.

 

سها، بوجع وقهر، أغمضت عينيها، فظن أنها ستنام، فتركها لترتاح قليلًا، لكنها تشبثت بيديه، كطفل يخشى أن يفقد أمه، وقالت:

 

لدي شيء يتوجب عليك معرفته يا أبي.

 

هنا بدأ الخوف يأكل ثنايا روحه، أن يفقدها الأخرى بعدما تركته زوجته. تذكر لانا، فهبطت من عينيه دمعة خانته، وهو يخشى أن تمضي ابنته باقي عمرها حبيسة السجون، وهو بمفرده في الحياة. وجعلت الصاعقة تتملكه بسؤالها:

 

هل تتذكر موت أمي؟

 

أجابها بثبات ينافي الذعر الذي ينهش قلبه، خشية القادم ومعرفة المجهول:

 

نعم، لكن لماذا تسألين اليوم تحديدًا عنه؟

 

أغمضت عينيها لوهلة، وأخرجت من حقيبتها المسجل الخاص بوالدتها، قائلة:

 

كان أول شيء أقوم بتسجيله هو حقنا، أنا وأمي.

 

كانت علامات الاستفهام تملأ قسمات وجهه، لكنها باغتته بصفعة قوية من سيل القهر:

 

أنا الـ***** والـ***** التي كنت تتحدث عنها، وهي ابنتك، لكن لست أنا التي قتلتهم يا أبي. هل أقسم لك؟

 

حسام، وهو يوبخ نفسه على ما بدر منه: لم أعِ ما قلته، كنت غاضبًا فحسب من حديثهم، وجاءت بكِ، لكن ما السر الذي تخبئينه يا ابنتي؟ لقد بدأت أقلق عليكِ.

 

سها: لن أعود إلى منزل أرواحهم وأجسادهم الشيطانية لا تزال فيه يا أبي. هل وجدتم السارق والقاتل؟

 

حسام: حسنًا، لنترك البيت، وتختارين على مزاجك المنزل الذي سنسكن فيه. أما السارق فقد تم القبض عليه، والجريمة سُجلت وفاة طبيعية، قضاءً وقدرًا، لكن لقد نفد صبري يا فتاة.

 

سها: حسنًا، ليرحمهم الله. استمع لهذا التسجيل، الذي يبرز لك حقيقة الملاك التي كانت تعيش معك، وابنها الأمير كما كانت تدعوه. وهناك شقة كبيرة فوق بيت منال، هل يمكننا أن ننتقل إليها بعفش جديد؟ لا أريد شيئًا من المنزل القديم، أرجوك، من فضلك.

 

لم يكد يستمع إليها من فرط الصدمات التي تتوالى على رأسه، ومعرفته بحقيقة زوجته وابنه، إلى أن انتهت مكائدهما. أكملت هي بما حدث لها، وما وقع عليها من ظلم وتعذيب، من ملائكة الرحمة كما يدعونها، وقد خدعته طوال عمره الذي عاشه معها، كما أنها كانت تحنو على ابنته أمامه، وفي ظهره تعاملها كجلاد ينتقم من عدوه. لكن ما ذنب تلك الصغيرة أن تحيا ما عاشته بمفردها؟ لماذا لم تجد الأمان الذي نعِمت به بجوارها؟

 

حسام أُلجم لسانه، لا يستطيع أن يتفوه بكلمة، من الجحود والظلم الذي سمعه.

 

قتلة… كان يعيش مع قتلة!

 

سها أمسكت بيديه، قائلة:

 

هذا قصاص بالنسبة لي ولأمي يا أبي، أليس كذلك؟

 

حسام، بغضب: لماذا لم تخبريني منذ البداية بأفعال تلك الشيطانة؟

 

تراجعت سها إلى الخلف من نظرته التي أرعبتها، فإن كانا لا يزالان على قيد الحياة لأحرقهما. بينما ضمها إلى كنفه حتى هدأت، وطمأنها أنه معها ولن يتركها.

 

سها: لا تجلب لي زوجة أب أخرى يا أبي، فلا يمكن لأخرى أن تغمرني بمدى الحب والحنان اللذين كانت تهبهما لي أمي.

 

حسام: حسنًا، ولكن ذكرياتك هناك يا ابنتي.

 

ابتسمت بألم لا يوصف، وقالت:

 

كل ذكرى سيئة تعصف بذهن أحد، لا تتركه إلا بعدما يقوم بمحوها واستبدالها بأخرى سعيدة وجديدة يا أبي.

 

هي لم تستطع أن تكمل حياتها في مستنقع الذكريات، الذي تفوح منه رائحة العذاب والإهانة ليل نهار، بجانب سفك دماء وروح والدتها، والتمثيل عليه بأنها حنونة ذات قلب ذهبي. كانت هي السبب في موت أمي، وهي من يُقال عنها: “ملائكة الرحمة”. تعطيها السم في الدواء، وليس العسل هذه المرة.

 

يا ليتني أصبحت كما كنت، دون الحاجة إلى فعل جريمة ستظل ملتصقة بحياتي إلى الأبد. وكان الشفاء لي بحلوى هذه المرة. لم أعهد أنني أحببتها من قبل، والآن هي معشوقتي…

 

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *