رسالة عُثر عليها داخل دفتر مذكرات محترق
إذا كنت تعتقد أن الشر دائمًا يأتي من الغرباء
فلا تبدأ هذه القصة
لأن أكثر الأبواب رعبًا
هي التي يفتحها أقرب الناس إليك
﷼﷼﷼﷼﷼﷼﷼﷼﷼﷼﷼﷼﷼﷼﷼﷼﷼﷼﷼﷼
الكاتب/ عبد الرحمن شعبان سعد
في قرية صغيرة تقع بين الجبال كانت هناك فيلا قديمة مهجورة يقف أمامها الجميع بصمت كلما مروا بجوارها
لم يكن أحد يجرؤ على الاقتراب منها
حتى الأطفال الذين لا يخافون شيئًا كانوا يغيرون طريقهم إذا اقتربوا منها
وكان كبار السن يرددون دائمًا
البيت ده مش مسكون
البيت ده فاكر
وكانت تلك الجملة تزيد الغموض أكثر
لم يفهم أحد معناها
لكن لم يكن هناك من يملك الشجاعة ليسأل
كان يوسف صحفيًا في الثامنة والعشرين من عمره
يعشق التحقيقات الغامضة
وكان يؤمن أن وراء كل أسطورة حقيقة مخفية
وحين سمع عن الفيلا
قرر أن يذهب إليها
رغم تحذيرات الجميع
وصل إلى القرية في صباح هادئ
وحاول أن يسأل أهلها عن تاريخ المنزل
لكن كل شخص كان يعطيه إجابة مختلفة
إحدى السيدات قالت إن عائلة كاملة اختفت داخله
ورجل عجوز قال إن أصحاب البيت ماتوا في حريق
وشاب أكد أن الفيلا لم يسكنها أحد أصلًا
وكأن الحقيقة نفسها ضاعت مع الزمن
وفي المساء
جلس يوسف مع رجل تجاوز الثمانين من عمره
كان الوحيد الذي وافق على الكلام
قال الرجل بصوت متعب
قبل خمسين سنة كان عايش هنا دكتور مشهور اسمه فؤاد
كان بيعالج الناس ببلاش
وكان الكل بيحبه
لكن بعد وفاة بنته الصغيرة
اتغير
قفل على نفسه البيت
ومحدش شافه تاني
بعدها بأيام
بدأ الناس يسمعوا أصوات أطفال وضحك وبكاء خارج من الفيلا
ثم بدأ كل واحد يدخلها
يخرج وهو شخص تاني
أو ما يخرجش خالص
سأل يوسف
هو حصل إيه للدكتور
هز الرجل رأسه وقال
لحد النهارده
محدش يعرف
وفي منتصف الليل
حمل يوسف كاميرته ودخل الفيلا
كان الباب مفتوحًا
رغم أنه صدئ
وكأن أحدًا ينتظره
دخل بحذر
وكان كل شيء مغطى بالغبار
لكن الغريب
أن الأرضية لم تكن مليئة بآثار الأقدام
إلا أثر واحد فقط
آثار شخص حافي القدمين
كان يتحرك داخل البيت
وكأنه ما زال يعيش فيه
تبع يوسف الأثر
حتى وصل إلى غرفة كبيرة
وفي منتصفها
كان هناك باب خشبي صغير
مختلف عن كل أبواب المنزل
وعليه عبارة محفورة
لا تفتح هذا الباب إذا كنت تخشى الحقيقة
وقف يوسف يتأمل الباب
ثم ابتسم
وقال لنفسه
عشان الحقيقة أنا جيت
فتح الباب
ولم يجد خلفه غرفة
بل وجد سلمًا طويلًا ينزل إلى الأسفل
كان الهواء هناك باردًا بشكل غير طبيعي
وكلما نزل درجة
كان يسمع صوتًا أقرب
صوت طفلة تضحك
ثم تبكي
ثم تنادي
بابا
وصل إلى قبو واسع
وفي وسطه
وجد غرفة زجاجية
داخلها ألعاب أطفال
وسرير صغير
ورسومات على الجدران
وكأن طفلة كانت تعيش هناك
لكن أكثر شيء أخافه
أن الألعاب بدأت تتحرك وحدها
ثم انطفأت الكشافات فجأة
وساد الظلام
وبعد ثوان
عاد الضوء
لكن الغرفة لم تعد فارغة
كانت هناك طفلة تقف داخلها
ترتدي فستانًا أبيض
وشعرها يغطي وجهها
كانت تنظر إليه دون أن تتحرك
قال يوسف بصوت مرتجف
إنتي مين
رفعت الطفلة رأسها ببطء
وكان وجهها طبيعيًا
لكن عينيها كانتا مليئتين بالحزن
قالت
أنا مش اللي لازم تخاف منه
ثم أشارت بإصبعها إلى خلفه
استدار يوسف ببطء
فتجمد مكانه
كان يقف رجل طويل جدًا
يرتدي معطف طبيب قديم
وجهه شاحب
وعيناه غارقتان في السواد
وفي يده مفاتيح كثيرة تصدر صوتًا معدنيًا مرعبًا
قال الرجل بهدوء
أخيرًا حد فتح الباب
اقترب يوسف خطوة إلى الخلف
وقال
إنت الدكتور فؤاد
ابتسم الرجل
وقال
كنت
أما دلوقتي
أنا حارس الأبواب
كل باب هنا بيخفي ذكرى
وكل ذكرى بتخفي روح
نظر يوسف حوله
فاكتشف عشرات الأبواب الحديدية داخل القبو
كل باب مكتوب عليه اسم
اقترب من أحدها
فوجد اسم فتاة صغيرة
وعلى باب آخر
اسم رجل
ثم أسماء كثيرة
قال الدكتور
كل واحد دخل البيت
وساب خوفه يسيطر عليه
فضل هنا
سأل يوسف
يعني إيه فضل هنا
ابتسم الطبيب
ثم فتح أحد الأبواب
فخرج منه رجل عجوز يبكي
ويصرخ
عايز أرجع
ثم عاد الباب وأغلق وحده
تراجع يوسف وهو يرتجف
وحاول الهرب
لكن السلم اختفى
والقبو أصبح أكبر
والأبواب بدأت تُفتح وحدها
خرجت منها أشخاص بأعمار مختلفة
كلهم يرددون نفس الجملة
افتح الباب الأخير
يوسف كان يجري
بينما الأصوات تلاحقه
حتى وجد بابًا في آخر القبو
لم يكن عليه اسم
بل كانت عليه مرآة
اقترب منها
فرأى نفسه
لكن صورته داخل المرآة لم تكن تقلده
بل كانت تبتسم
ثم قالت
أنا هطلع
وإنت هتفضل
صرخ يوسف وابتعد
لكن صورته خرجت فعلًا من المرآة
وأصبحت تقف أمامه
بنفس وجهه
ونفس صوته
ثم دفعت يوسف إلى داخل المرآة
وفي اللحظة نفسها
خرجت النسخة الأخرى إلى العالم الحقيقي
وفي صباح اليوم التالي
خرج يوسف من الفيلا
لكن أهل القرية شعروا أن شيئًا فيه تغير
كان يبتسم كثيرًا
وينظر إلى الناس بطريقة غريبة
ولا يرمش تقريبًا
وبعد أسبوع
اختفى الرجل العجوز الذي حذره
ثم اختفت السيدة التي حدثته
ثم اختفى طفل كان يلعب أمام البيت
وكان آخر من شوهد معهم
يوسف
أما الفيلا
فأصبح بابها مفتوحًا دائمًا
وكأنها تنتظر ضيفًا جديدًا
ويقول أهل القرية حتى اليوم
إنهم إذا مروا بجوارها ليلًا
يشاهدون رجلًا يقف في الشرفة
يبتسم
ويدعو المارة للدخول
لكنهم يعرفون الآن
أن الرجل الذي يقف هناك
ليس يوسف
بل الشيء
الذي خرج من آخر باب
![]()
