الرجل الغامض يظهر
الصفحة الثانية
بقلم الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
ساد الصمت داخل المقهى للحظة، وكأن الزمن توقف مع تلك الصرخة.
التفت الجميع نحو الرجل الذي وقف عند الباب، يلتقط أنفاسه بصعوبة بعد أن بدا وكأنه كان يركض منذ وقت طويل.
كانت ملامحه حادة، وفي منتصف الأربعينيات من عمره، يرتدي معطفًا رماديًا غطته قطرات المطر، بينما كانت عيناه تدوران في المكان بسرعة حتى استقرتا على الفتاة الجالسة أمام آدم.
اتسعت عيناه وقال بصوتٍ منخفض هذه المرة:
“الحمد لله… أخيرًا وجدتك.”
تجمدت الفتاة في مكانها.
أما آدم، فظل ممسكًا بالقلادة، ينظر إلى النقش المنقوش عليها، ثم إلى خاتمه، ثم إلى الرجل.
شعر أن شيئًا كبيرًا يحدث أمامه… لكنه لا يفهم منه شيئًا.
اقترب الرجل بخطوات هادئة.
قال موجّهًا حديثه إلى الفتاة:
“منذ ساعات وأنا أبحث عنك في كل مكان.”
عقدت حاجبيها وقالت باستغراب:
“هل تعرفني؟”
توقف الرجل فجأة.
بدت الدهشة على وجهه.
“ألا… تذكرينني؟”
هزت رأسها بالنفي.
ساد الصمت مرة أخرى.
خفض الرجل نظره إلى الأرض، ثم قال بصوتٍ مكسور:
“إذن… فقد حدث ما كنت أخشاه.”
نظر آدم بينهما، ثم قال لأول مرة منذ دخول الرجل:
“ممكن أفهم… ماذا يحدث؟”
رفع الرجل رأسه إليه.
وقعت عيناه على الخاتم الذي يرتديه آدم.
وفي لحظة…
تغير لون وجهه تمامًا.
اقترب منه بسرعة، ثم أمسك بيده دون استئذان.
“من أين حصلت على هذا الخاتم؟”
سحب آدم يده بهدوء وقال بنبرة حازمة:
“هذا الخاتم معي منذ كنت طفلًا… لماذا؟”
ظل الرجل ينظر إليه للحظات طويلة، ثم ابتسم ابتسامة امتزج فيها الذهول بالحزن.
وقال بصوت يكاد لا يُسمع:
“إذن… لم أكن مخطئًا.”
رد آدم بحدة:
“مخطئ في ماذا؟”
لكن الرجل لم يجب.
جلس على أقرب كرسي، ووضع يده فوق وجهه وكأنه يحاول استيعاب ما يراه أمامه.
كانت الفتاة تراقب المشهد في صمت، بينما بدأت تشعر بخوفٍ غريب يسكن قلبها.
قالت بصوت مرتجف:
“أرجوك… أخبرنا الحقيقة.”
رفع الرجل رأسه ببطء.
نظر إليهما معًا.
ثم قال:
“قبل خمسةٍ وعشرين عامًا… اختفى طفل وطفلة في الليلة نفسها.”
نظر آدم إلى الفتاة.
ونظرت هي إليه.
لم يفهم أيٌ منهما سبب تلك الكلمات.
أكمل الرجل:
“كان مع كلٍ منهما قطعةٌ واحدة فقط…”
وأشار إلى القلادة الموجودة في يد آدم.
“…والقطعة الأخرى…”
ثم أشار إلى الخاتم.
“…ولو اجتمعت القطعتان يومًا…”
توقف عن الكلام.
سأله آدم بسرعة:
“ماذا سيحدث؟”
وقبل أن يجيب…
رن هاتف الرجل.
نظر إلى الشاشة، وفجأة اختفت ملامحه الهادئة.
وقف بسرعة وهو يقول:
“لقد عرفوا أنني وصلت إليكما…”
وفي اللحظة نفسها…
انطفأت أنوار المقهى بالكامل.
وتردد صوت ارتطام الباب بقوة…
ثم سُمع صوت خطوات أشخاص يدخلون المكان في الظلام.
انتظروا الجزء القادم
![]()
