...
IMG 20260628 WA0039

لقاء تحت المطر

الصفحة الأولى

بقلم الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

 

كان المطر يتساقط بهدوء فوق شوارع المدينة، وكأن السماء تُرسل رسائلها إلى الأرض دون أن يفهمها أحد. انعكست أضواء السيارات على الأسفلت المبتل، فتحولت الطرق إلى لوحاتٍ متحركة من الضوء والماء، بينما كان المارة يسرعون بخطواتهم بحثًا عن مكانٍ يحتميهم من البرد.

لكن وسط كل هذا الزحام…

كان هناك شاب يسير وحده، دون أن يهتم بالمطر أو بالبرد.

اسمه آدم.

في الثامنة والعشرين من عمره، يحمل ملامح هادئة تخفي وراءها سنواتٍ طويلة من الصمت. لم يكن من النوع الذي يتحدث كثيرًا، بل كان يترك لعينيه مهمة رواية ما يعجز اللسان عن قوله.

وقف أمام إشارة المرور، ثم رفع رأسه إلى السماء للحظات، وكأنه ينتظر شيئًا لا يعرفه.

همس لنفسه بصوتٍ بالكاد يُسمع:

“أحيانًا… أشعر أن القدر يؤخر شيئًا جميلًا… لكنه لا ينساه.”

ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم أكمل طريقه حتى وصل إلى مقهى صغير يقع في نهاية الشارع.

كان ذلك المكان ملاذه كلما ازدحمت الأفكار داخل رأسه.

فتح الباب، فاستقبلته رائحة القهوة الدافئة وصوت موسيقى هادئة، واختار طاولة بجوار النافذة المطلة على الشارع.

جلس، ووضع هاتفه على الطاولة، ثم طلب فنجانًا من القهوة السوداء كعادته.

في الخارج…

اشتد المطر أكثر.

وفجأة…

فُتح باب المقهى بقوة بسبب الرياح.

التفتت جميع الأنظار للحظة.

دخلت فتاة ترتدي معطفًا أبيض طويلًا، وقد ابتلت أطراف شعرها الأسود بقطرات المطر، بينما كانت تحاول أن تلتقط أنفاسها بعد أن ركضت مسافة طويلة.

تلفتت حولها تبحث عن مكانٍ فارغ.

لكن المقهى كان ممتلئًا بالكامل…

إلا من المقعد المقابل لآدم.

تقدمت نحوه بخطوات مترددة، ثم قالت بابتسامة خجولة:

“مساء الخير… هل تسمح لي بالجلوس هنا؟ المكان مزدحم جدًا.”

رفع آدم عينيه إليها…

ولأول مرة منذ سنوات…

شعر أن الزمن توقف.

لم يكن يعرفها.

ولم يسبق أن رآها.

ومع ذلك…

كان هناك شيء غريب في ملامحها، شيء جعله يشعر بأنها ليست غريبة عنه كما ينبغي.

أفاق من شروده سريعًا وقال:

“تفضلي… بالطبع.”

جلست وهي تشكره بابتسامة رقيقة، ثم طلبت كوبًا من الشوكولاتة الساخنة.

ساد بينهما صمت قصير…

صمت لم يكن مزعجًا، بل كان مليئًا بأسئلةٍ لم تُطرح بعد.

وبينما كانت تُخرج محفظتها لتدفع ثمن الطلب…

سقطت منها قلادة فضية صغيرة على الأرض.

انحنى آدم ليلتقطها.

لكن ما إن أمسكها بين يديه…

حتى تجمد مكانه.

كانت القلادة تحمل نقشًا قديمًا…

النقش نفسه…

الموجود على الخاتم الذي يرتديه في يده منذ طفولته.

رفع رأسه إليها ببطء، بينما كانت تنظر إليه بدهشة لا تقل عن دهشته.

وقبل أن ينطق أيٌ منهما بكلمة…

دخل رجلٌ إلى المقهى وهو يصرخ بصوتٍ مرتفع:

“وجدتها… أخيرًا وجدتها!”

واتجه مباشرةً نحو طاولتهما…

انتظر الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *