...
IMG 20260721 WA0004

رسالة وُجدت داخل حقيبة سفر مهترئة عُثر عليها بجوار أحد خطوط السكك الحديدية

إذا رأيت قطارًا يتوقف في محطة خالية بعد منتصف الليل

ولا يحمل رقمًا

ولا اسمًا

ولا يوجد على متنه أي موظف

فلا تصعد إليه مهما كانت الأسباب

لأن بعض الرحلات

تبدأ بتذكرة واحدة

ولا تنتهي أبدًا

 

 

﷼﷼﷼﷼﷼﷼﷼﷼﷼﷼﷼﷼﷼﷼﷼﷼﷼﷼﷼﷼

 الكاتب/ عبد الرحمن شعبان سعد

 

 

 

كانت الساعة تقترب من الثانية عشرة إلا خمس دقائق عندما وصل كريم إلى محطة القطار القديمة

 

كان شابًا في السادسة والعشرين من عمره

 

يعمل مصورًا صحفيًا ويعشق التحقيق في القصص الغامضة التي يعتبرها الناس مجرد خرافات

 

منذ عدة أشهر كان يسمع قصة تتكرر في أكثر من مدينة

 

قصة قطار يظهر مرة واحدة كل عدة سنوات

 

لا يوجد له رقم

 

ولا وجهة

 

ولا يظهر على أي شاشة مواعيد

 

لكن الغريب أن كل من قال إنه رآه

 

اختفى بعدها بأيام

 

ومن عاد منهم

 

عاد شخصًا مختلفًا تمامًا

 

لا يتحدث كثيرًا

 

ولا يضحك

 

ولا ينظر في أعين الناس

 

وكان يردد جملة واحدة

 

كان لازم أنزل قبل المحطة الأخيرة

 

اعتبر كريم كل ذلك إشاعات

 

وقرر أن يثبت الحقيقة بالكاميرا

 

وصل إلى المحطة قبل منتصف الليل

 

كانت المحطة مهجورة

 

المقاعد فارغة

 

وأضواء الأعمدة تومض ببطء

 

ولا يسمع سوى صوت الريح

 

اقترب من موظف الأمن وسأله

 

هو فيه قطر هيعدي دلوقتي

 

نظر إليه الرجل للحظة

 

ثم قال

 

آخر قطر عدى من ساعتين

 

لو مستني حاجة

 

ارجع بيتك

 

قبل ما الساعة تبقى اتناشر

 

شكره كريم

 

لكنه لم يتحرك

 

اختبأ خلف أحد الأعمدة

 

وبدأ يجهز الكاميرا

 

عند تمام الثانية عشرة

 

انطفأت كل أنوار المحطة دفعة واحدة

 

ثم عاد الضوء بعد ثوان

 

لكن شيئًا تغير

 

الساعة الموجودة أعلى الرصيف توقفت

 

والهواء أصبح باردًا بشكل غير طبيعي

 

ثم

 

سمع صوتًا بعيدًا

 

صوت عجلات قطار

 

لكنه لم ير أي أضواء

 

كان الصوت يقترب

 

ويقترب

 

حتى خرج من قلب الضباب قطار أسود بالكامل

 

لا يحمل أي شعار

 

ولا أي رقم

 

ونوافذه معتمة

 

توقف أمامه بهدوء

 

وانفتح أحد الأبواب وحده

 

وقف كريم مترددًا

 

ثم قال لنفسه

 

أنا جاي علشان اللحظة دي

 

وصعد

 

ما إن دخل

 

حتى أغلق الباب خلفه وحده

 

نظر حوله

 

العربة كانت قديمة

 

لكنها نظيفة

 

وفيها ثمانية ركاب فقط

 

رجل مسن يقرأ صحيفة صفراء

 

امرأة تحمل طفلًا نائمًا

 

شاب في مثل عمره

 

رجل يرتدي بدلة سوداء

 

وعجوز ينظر من النافذة دون أن يتحرك

 

وثلاثة مقاعد في آخر العربة يجلس عليها أشخاص يغطون وجوههم بقبعات سوداء

 

جلس كريم

 

وحاول أن يسأل أحدهم

 

إحنا رايحين فين

 

لكن لم يرد أحد

 

بعد دقائق

 

دخل محصل التذاكر

 

كان طويل القامة

 

يرتدي زيًا قديمًا جدًا

 

لكن الشيء الغريب

 

أنه لم يكن يملك عينين

 

فقط فراغًا أسود مكانهما

 

مد يده وقال

 

التذكرة

 

ارتبك كريم

 

أنا معنديش

 

ابتسم المحصل

 

وقال

 

أنت دفعت الثمن قبل ما تطلع

 

ثم أعطاه تذكرة سوداء مكتوب عليها

 

ذهاب فقط

 

واختفى

 

بدأ القطار يتحرك بسرعة غير طبيعية

 

نظر كريم من النافذة

 

لكنه لم ير المدينة

 

ولا الأشجار

 

ولا أي شيء

 

كان يرى فقط ظلامًا تتحرك داخله ظلال بشر

 

كأن آلاف الأشخاص يركضون بجوار القطار

 

وفجأة

 

توقف القطار في أول محطة

 

كان اسمها

 

محطة الندم

 

فتح الباب

 

ونزل الرجل المسن

 

لكن قبل أن يغادر

 

نظر إلى كريم وقال

 

لو سمعت حد ينادي اسمك

 

ما تردش

 

ثم اختفى

 

أغلق الباب

 

وانطلق القطار من جديد

 

بعد دقائق

 

بدأ كريم يسمع صوتًا مألوفًا

 

صوت والدته

 

كانت تناديه باسمه

 

بنفس الطريقة التي كانت تناديه بها وهو طفل

 

اقترب الصوت من أذنه

 

كريم

 

بص هنا

 

أنا هنا

 

كاد يلتفت

 

لكن تذكر كلام الرجل

 

فأغمض عينيه

 

ولم يرد

 

وفجأة

 

تحول صوت والدته إلى صراخ مرعب

 

ثم ساد الصمت

 

نظر إلى بقية الركاب

 

فوجدهم جالسين كأن شيئًا لم يحدث

 

توقف القطار مرة أخرى

 

كانت المحطة الثانية تحمل اسم

 

محطة الأسرار

 

وهنا نزلت المرأة والطفل

 

لكن الطفل

 

قبل أن ينزل

 

نظر إلى كريم

 

وقال بصوت رجل عجوز

 

لسه فاضل محطتين

 

ارتجف كريم

 

وحاول فتح الباب

 

لكنه لم يتحرك

 

وفجأة

 

بدأت أنوار العربة تنطفئ وتضيء

 

وفي كل مرة يعود فيها الضوء

 

كان عدد الركاب أقل

 

لكن المقاعد الفارغة

 

كانت تمتلئ بأشخاص لا يتحركون

 

وجوههم شاحبة

 

وعيونهم سوداء بالكامل

 

كانوا ينظرون إليه فقط

 

ولا يرمشون

 

أخرج كريم الكاميرا ليصورهم

 

لكن حين نظر إلى الشاشة

 

لم يرهم

 

رأى نفسه فقط

 

يجلس وحده داخل القطار

 

وخلفه

 

كان يقف رجل طويل جدًا

 

يلامس رأسه سقف العربة

 

ويمد يده نحو كتفه

 

استدار بسرعة

 

لكن لم يكن هناك أحد

 

بدأت أنفاسه تتسارع

 

وشعر أن القطار لم يعد مجرد وسيلة نقل

 

بل شيء حي

 

يسمع خوفه

 

ويتغذى عليه

 

ثم توقف القطار للمرة الثالثة

 

كان اسم المحطة

 

محطة الوجوه المنسية

 

وهنا

 

حدث ما لم يتوقعه

 

دخل إلى العربة عشرات الأشخاص

 

لكن كلهم

 

كانوا يشبهون كريم

 

بنفس الوجه

 

ونفس الملابس

 

لكن أعمارهم مختلفة

 

أحدهم كان طفلًا

 

وآخر عجوزًا

 

وثالثًا مصابًا بجروح

 

ورابعًا يبكي

 

جلسوا جميعًا ينظرون إليه

 

ثم قال أحدهم

 

إحنا كل النسخ اللي ما رجعتش

 

قال آخر

 

كل واحد فينا اختار ينزل في محطة غلط

 

وقال ثالث

 

وأنت

 

لسه قدامك فرصة

 

صرخ كريم

 

أنا عايز أنزل

 

ضحك الجميع في وقت واحد

 

وقالوا

 

كلنا قولنا الجملة دي

 

ثم اختفوا

 

وبقي مقعد واحد فقط في آخر العربة

 

جلس عليه شخص يغطي وجهه

 

وقال

 

تعالى

 

اقترب كريم بحذر

 

وحين رفع الرجل رأسه

 

توقف قلبه

 

كان يرى نفسه

 

لكن أكبر بثلاثين سنة

 

وجهه مليء بالتجاعيد

 

وعيناه غارقتان في الحزن

 

قال الرجل

 

أنا أنت

 

لو كملت الرحلة

 

سأله كريم وهو يرتجف

 

إزاي أخرج

 

رد الرجل

 

لما القطر يقف في آخر محطة

 

متنزلش

 

مهما حصل

 

وإوعى تصدق اللي هتشوفه

 

وقبل أن يسأله أي شيء

 

اختفى الرجل

 

بدأ القطار يبطئ

 

وسمع صوتًا يقول

 

وصلنا إلى المحطة الأخيرة

 

انفتح الباب

 

ونظر كريم إلى الخارج

 

فرأى منزله

 

ورأى والدته

 

ووالده

 

وأصدقاءه

 

كلهم يبتسمون له

 

وينادونه

 

ارجع

 

كل حاجة بخير

 

كاد ينزل

 

لكن فجأة

 

لاحظ شيئًا صغيرًا

 

كلهم

 

كانوا يبتسمون

 

لكن لا أحد منهم كان يرمش

 

تراجع خطوة

 

وفي اللحظة نفسها

 

تحولت الوجوه إلى مخلوقات مشوهة

 

وأغلقت الأبواب بسرعة

 

وانطلق القطار بعنف

 

ثم توقف فجأة

 

ليجد نفسه ملقى على أرض محطة القطار القديمة

 

كانت الشمس قد أشرقت

 

والناس تتحرك بشكل طبيعي

 

نظر حوله

 

لم يجد القطار

 

ولا أي أثر له

 

ظن أنه نجا

 

حتى أخرج هاتفه

 

فوجد التاريخ

 

الثالث من نوفمبر عام 2054

 

مرت ثمانية وعشرون سنة

 

بينما بالنسبة له

 

لم تمر سوى ساعات

 

عاد إلى منزله

 

فوجد مكانه عمارة جديدة

 

وسأل أحد المارة عن اسمه

 

فنظر إليه الرجل بدهشة وقال

 

تقصد الصحفي كريم

 

اللي اختفى سنة 2026

 

بيقولوا إنه لحد النهارده

 

في ناس بتشوفه كل ليلة

 

واقف على رصيف محطة القطار

 

وبيحاول يمنع أي حد

 

من ركوب قطار منتصف الليل

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *