مقال صحفي من مجلة الرجوة المعتمد
مقال اليوم رقم 9
بقلم الصحفي عبد الرحمن شعبان سعد
يمضي الإنسان في حياته وهو يسعى دائما إلى تحقيق المزيد فيحلم بوظيفة أفضل ومنزل أكبر وسيارة أحدث ودخل أعلى وهذا أمر طبيعي يدفعه إلى العمل والاجتهاد لكن المشكلة تبدأ عندما ينشغل بما ينقصه وينسى ما يملكه فيتحول السعي المشروع إلى شعور دائم بعدم الرضا ويصبح الامتنان غائبا عن حياته
إن الامتنان ليس مجرد كلمة تقال عند الحصول على هدية أو خدمة بل هو أسلوب حياة يجعل الإنسان يرى النعم التي تحيط به كل يوم فقد يستيقظ الإنسان معافى في جسده ويجد أسرته حوله ويملك قوت يومه ومع ذلك يشعر بالحزن لأنه ينظر فقط إلى ما لا يملكه بينما قد يتمنى غيره جزءا بسيطا مما يعيش فيه
وللأسف فإن سرعة الحياة ووسائل التواصل الاجتماعي جعلت كثيرا من الناس يقيسون سعادتهم بما يشاهدونه عند الآخرين فيرون السفر والمنازل والسيارات والاحتفالات فيظنون أن الجميع يعيشون حياة مثالية وأنهم وحدهم من يعانون بينما الحقيقة أن لكل إنسان هموما وتحديات لا تظهر في الصور والمنشورات
إن الإنسان الممتن لا يتوقف عن الطموح لكنه لا يسمح للطموح أن يسرق فرحته بما حققه فهو يشكر الله على ما وصل إليه ثم يواصل السعي نحو الأفضل أما الذي لا يعرف الامتنان فإنه يعيش في سباق لا ينتهي فكلما حصل على شيء أراد ما هو أكبر منه وكلما حقق هدفا ظهر أمامه هدف آخر حتى يفقد لذة الإنجاز نفسها
والامتنان لا ينعكس على النفس فقط بل ينعكس أيضا على العلاقات الإنسانية فالزوج الذي يقدر زوجته ويشكرها على تعبها يقوي علاقته بها والابن الذي يعبر عن امتنانه لوالديه يشعرهما بقيمة ما يقدمانه والمعلم الذي يسمع كلمات التقدير من طلابه يزداد حماسا للعطاء وكذلك الموظف الذي يشعر أن جهده محل تقدير يصبح أكثر إخلاصا في عمله
إن كلمة شكر صادقة قد تغير يوما كاملا في حياة إنسان وقد تمنحه طاقة للاستمرار بينما تجاهل جهود الآخرين يجعلهم يشعرون بأن ما يقدمونه لا قيمة له ولذلك فإن الامتنان ليس خلقا جميلا فقط بل هو وسيلة لبناء مجتمع تسوده المحبة والاحترام
الحلول العملية والإيجابية
أولا ابدأ يومك بتذكر النعم
قبل أن تنشغل بما ينقصك تذكر ما تملكه من صحة وأهل وأمان ورزق فهذه نعم لا يشعر بقيمتها إلا من فقدها
ثانيا عبر عن شكرك للناس
لا تؤجل كلمة شكرا لوالديك أو لزوجتك أو لزوجك أو لأصدقائك أو لكل من يقدم لك معروفا فالكلمات الطيبة تقوي العلاقات
ثالثا توقف عن مقارنة حياتك بحياة الآخرين
لكل إنسان ظروفه ورحلته الخاصة والمقارنة المستمرة تقتل شعور الامتنان
رابعا احتفظ بدفتر تكتب فيه الأشياء الجميلة التي تحدث لك
حتى لو كانت بسيطة فإن مراجعتها من وقت لآخر تجعلك ترى كم من الخير يحيط بك
خامسا اجعل الامتنان عادة يومية
اشكر الله في الرخاء كما تشكره في الشدة لأن القلب الشاكر يعيش أكثر طمأنينة ورضا
أمثلة من الواقع
كان أحد الموظفين يشكو دائما من عمله وراتبه حتى تعرض لحادث منعه من العمل عدة أشهر فعرف حينها أن فرصة العمل التي كان يتذمر منها كانت نعمة كبيرة
وكان شاب يعيش مع والديه ويرى اهتمامهما أمرا عاديا حتى سافر بعيدا عنهما فشعر بقيمة وجودهما في حياته وتمنى لو عاد الزمن ليعبر لهما عن امتنانه
وفي إحدى المدارس اعتاد مدير المدرسة أن يشكر العاملين كل أسبوع أمام الجميع فارتفعت روحهم المعنوية وأصبح كل واحد منهم يؤدي عمله بإخلاص أكبر لأن التقدير يولد الانتماء
هذه المواقف تعلمنا أن الامتنان لا يغير الظروف فقط بل يغير نظرتنا إليها ويجعلنا أكثر سعادة وقدرة على العطاء
الرؤية الإسلامية
حث الإسلام على شكر الله وشكر الناس وجعل الشكر سببا لزيادة النعم
قال الله تعالى
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾
سورة إبراهيم الآية 7
وقال سبحانه
﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾
سورة البقرة الآية 152
وتبين هذه الآيات أن الشكر ليس خلقا محمودا فقط بل هو سبب في دوام النعم وزيادتها
من الأحاديث النبوية الصحيحة
قال رسول الله ﷺ
من لا يشكر الناس لا يشكر الله
رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني
وقال ﷺ
انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم
متفق عليه
وتدعونا هذه الأحاديث إلى رؤية النعم التي نعيش فيها وإلى تقدير فضل الآخرين وعدم جحود المعروف
الرؤية المسيحية
يدعو الكتاب المقدس إلى الشكر الدائم والاعتراف بالنعم
جاء في الرسالة الأولى إلى أهل تسالونيكي
اشكروا في كل شيء لأن هذه هي مشيئة الله
تسالونيكي الأولى الإصحاح الخامس العدد الثامن عشر
وجاء في المزمور
احمدوا الرب لأنه صالح لأن إلى الأبد رحمته
مزمور 136 العدد الأول
من تعاليم السيد المسيح والرسل
كان السيد المسيح يقدم الشكر لله قبل كثير من المواقف والمعجزات تعليما للناس بأهمية الامتنان
وقال الرسول بولس
ليملك في قلوبكم سلام الله وكونوا شاكرين
كولوسي الإصحاح الثالث العدد الخامس عشر
وتؤكد هذه التعاليم أن القلب الشاكر يعيش في سلام وأن الامتنان يقرب الإنسان من الله ومن الناس
خاتمة
ليست السعادة في أن نملك كل شيء بل في أن ندرك قيمة ما بين أيدينا وأن نحسن استخدامه ونشكر الله عليه فالامتنان لا يمنع الإنسان من الطموح بل يمنحه القوة ليستمر وهو راض ومطمئن وإذا تعلمنا أن نقول الحمد لله بقلوب صادقة وأن نشكر الناس على معروفهم سنكتشف أن كثيرا من السعادة التي نبحث عنها كانت موجودة حولنا منذ البداية ولكننا لم نكن ننتبه إليها
![]()
