بقلم المدرب/عارف عبدالهادي الصبيحي.
يقول النبي ﷺ: ((ما بعث الله من نبي، ولا استخلف من خليفة، إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضُّه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم مَن عصَم الله)) [رواه البخاري].
يا صديقي، إن كل حاكم أو مدير أو صاحب مسؤولية لابد له من حاشية وبطانة؛ فإن وفقه الله لبطانة صالحة استقام أمره وصلح حاله، وإن خُذل ببطانة سوء كانت العواقب وخيمة في الدنيا والآخرة؛فكم من ممالك هلكت، ودول سقطت، وقادة هووا بسبب “مستشاري السوء”.
إن البطانة السيئة: كالريح العاصفة، تهدم ولا تبني، وتفسد في الأرض ولا تُصلح.
البطانة الصالحة: كالريح الطيبة، تنعش القلوب، وتزهر بها البلاد، وتبني وتعمر الأوطان.
يقول أحد الحكماء: “من أحسن بطانته، أحسن أعماله؛ ومن أساء بطانته، أساء أعماله”. نعم، فالبطانة هي مرآة القائد؛ إما أن ترفعه في الدنيا والآخرة، أو تقتلع جذوره وتزيله من منصبه ومن قلوب الناس.
تأمل في قصة فرعون التي يرويها وهب بن منبه؛ حين عرض موسى عليه السلام عليه الإيمان مقابل بقاء ملكه، فهمَّ فرعون بذلك، لكنه استشار “بطانته” متمثلة في هامان. فقال له هامان: “بينما أنت إله تُعبَد، إذ صرت تعبُد!”. فاستكبر فرعون وأنف، فكان هلاكه وهلاك ملكه بسبب تلك المشورة المسمومة.
وإن أعظم خطر يكمن في “نقل الأخبار”؛ فكم من دول انهارت، وكم من رجال دين وعلماء اتُّهموا زوراً بسبب تزوير الحقائق من قِبل حاشية السوء التي تنقل ما لا أساس له من الصحة لتحقيق مآرب شخصية.
إن القائد الخير والوزير السوء كالماء الصافي الذي يسكنه تمساح؛ لا يستطيع أحد الدنو منه والانتفاع بصفائه خوفاً من ذلك التمساح.
والسلطان كأنه الطبيب، والرعية هم المرضى، والوزير هو “السفير” بينهما. فإذا كذب السفير وصف للطبيب نقيض دواء المريض ليقتله، وكذلك الوزير ينقل للقائد ما ليس في الرجال فيظلمهم ويقتلهم بقراراته المبنية على الزور.
ولكي ينجو القائد، لابد أن يكون وزيره ومستشاره:
صدوقاً في لسانه.
عدلاً في دينه.
مأموناً في أخلاقه.
بصيراً بأمور الرعية.
وعليه أن يحذر من تولية “اللئيم”؛ فاللئيم إذا ارتقى منصباً جفا أقاربه، وأنكر معارفه، واستخف بذوي الفضل، وتكبر على الناس.
يا عزيزي، لا عذر لك في “الثقة العمياء” ببطانتك حين تتخذ قراراتك دون تمحيص أو بحث عن المصداقية. فاليوم يصفق لك النواب والوزراء ويشجعونك، وغداً ستقف أمام الله عز وجل فرداً وحيداً،يقول الله تعالى : {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا}.سورة مريم، الآية 95.تُسأل عما فعلت يداك.. فأعد لهذا الموقف جواباً.
واخيرا عليك أن تعي هذا الدرس جيداً يا صديقي؛ فليس كل ما يقال لك حقيقة، ولا كل ما تسمعه يُنقل. حين تفقد نبي الله سليمان الهدهد، جاءه الأخير مبرراً غيابه بقوله: {وجئتك من سبأ بنبأ يقين}.
تأمل هنا؛ لم يقل الهدهد ‘سمعتُ’ أو ‘قالوا’، بل نقل ما رآه بعينه يقيناً قاطعاً. ورغم هذا الوضوح والصدق، لم يستعجل نبي الله سليمان عليه السلام باتخاذ القرار، بل أراد إرساء منهج القائد المسلم فقال: {سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين}.
هذا هو المنهج القويم؛ ألّا تكون أداة لنقل كل ما يطرق سمعك، فتهدم أو تُفسد من حيث لا تدري. التثبت هو الأصل، فلا تنقل خبراً إلا إذا ملكت عليه دليلاً ساطعاً كشمس الضحى.”
ونختم بحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قال رسول الله ﷺ: ((إذا أراد الله بالأمير خيرًا جعل له وزير صدق؛ إن نسي ذكَّره، وإن ذكَر أعانه، وإذا أراد به غير ذلك جعل له وزير سوء؛ إن نسي لم يذكِّره، وإن ذكَر لم يُعِنه)) [رواه أبو داود].
وتذكر دائماً: القائد القوي ليس من يملك السلطة فحسب، بل من يملك الحكمة لاختيار من يهمس في أذنه بالحق لا بالباطل.
المرجع:كتاب سراج الملوك
![]()
