الكاتبة إيمان صلاح شلاش
لم تكن هيلين تخشى السقوط يومًا، بل كانت تخشى أن تعتاد البقاء على الأرض. فمنذ طفولتها، كانت تؤمن أن الحياة لا تمنح أحدًا طريقًا مستقيمًا، وأن كل إنسان يحمل معركته بصمت، حتى وإن بدا مبتسمًا أمام الجميع.
في أحد الأعوام، خسرت هيلين كل ما ظنت أنه يشكل عالمها. فقدت عملها، وابتعد عنها أشخاص كانت تعتبرهم عائلتها الثانية، وتراكمت عليها الخيبات حتى أصبحت تستيقظ كل صباح، وهي تتساءل: «هل يستحق هذا اليوم أن أعيشه؟»
كانت تجلس كل مساء قرب نافذتها، تراقب الغروب بصمت. كانت الشمس تغيب كل يوم، لكنها لم تكن تفكر إلا بشيء واحد: لماذا تعود في الصباح وكأن شيئًا لم يحدث؟ ومع مرور الأيام، أدركت أن الشمس لا تعود لأنها لم تسقط، بل لأنها تعرف أن النهاية ليست سوى بداية جديدة.
في صباح بارد، قررت أن تخرج دون هدف. مشت في الشوارع حتى وصلت إلى حديقة صغيرة. هناك رأت رجلًا مسنًّا يزرع شجرة زيتون. اقتربت منه وسألته: «ألن تكون كبيرًا في السن عندما تثمر هذه الشجرة؟»
ابتسم الرجل وقال: «قد لا أرى ثمارها، لكن يكفيني أن أحدًا سيجلس تحت ظلها يومًا.»
توقفت الكلمات في قلب هيلين قبل أن تتوقف في أذنيها. لأول مرة، شعرت أن الحياة لا تُقاس بما نكسبه اليوم، بل بما نزرعه للمستقبل، حتى وإن لم نحصد نتائجه بأنفسنا.
عادت إلى منزلها، وهي تحمل فكرة مختلفة. لم تنتظر أن يتغير العالم، بل بدأت بتغيير نفسها. قرأت الكتب التي كانت تؤجلها، وتعلمت مهارات جديدة، وبدأت تكتب يومياتها، لا لتشكو، بل لتوثق انتصاراتها الصغيرة. كانت تعتبر الاستيقاظ في الوقت المحدد انتصارًا، والابتسام لشخص غريب خطوة نحو الشفاء، وإنهاء صفحة من كتاب إنجازًا يستحق الاحتفال.
لم يكن الطريق سهلًا. كانت هناك أيام تعود فيها الدموع دون استئذان، وأيام تشعر فيها بأنها لم تتقدم خطوة واحدة. لكنها كانت تتذكر دائمًا أن الجبال لا تُصنع بقفزة واحدة، بل بحجارة صغيرة تتراكم فوق بعضها.
بعد عام كامل، حصلت هيلين على وظيفة كانت تحلم بها، لكنها اكتشفت أن أعظم إنجاز لم يكن الوظيفة، بل الإنسان الذي أصبحت عليه. لم تعد تبحث عن السعادة في الأشياء، بل أصبحت تصنعها من التفاصيل البسيطة؛ من فنجان قهوة دافئ، أو رسالة لطيفة، أو لحظة صمت مع نفسها.
وفي إحدى الأمسيات، عادت إلى الحديقة نفسها. كانت شجرة الزيتون قد نمت قليلًا، والرجل المسن لم يكن موجودًا. جلست تحت أغصانها الصغيرة وهمست: «الآن فهمت.»
فالحياة ليست قصة عن عدد المرات التي نسقط فيها، بل عن الشخص الذي نصبحه بعد كل نهوض. فالجروح قد تترك ندوبًا، لكنها تترك أيضًا حكمة، والخسارات قد تسرق أشياء كثيرة، لكنها تمنحنا فرصة لاكتشاف قوتنا الحقيقية.
ابتسمت هيلين وهي تنظر إلى السماء، وأيقنت أن ما بعد النهوض ليس مجرد عودة إلى ما كنا عليه، بل ولادة جديدة لنسخة أقوى، وأكثر رحمة، وأشد إيمانًا بأن الضوء لا يولد إلا بعد أطول الليالي.
![]()
