...
IMG 20260806 WA0024

 

الكاتبة عاليا عجيزة

 

في تلك الليلة، لم يكن القرار عاديًا. رفعت سارة يدها الارتجافية، ونزعت القناع الأحمر المخملي عن وجهها، ثم وضعته بحذر على الطاولة الخشبية بجانب شمعة احتراقها يوشك على الانتهاء. كانت أنفاسها تتصاعد وتسقط بسرعة، وكأنها خرجت للتو من سباق طويل ضد الموت. لم تكن تريد التحديق في تلك المرآة القديمة ذات الإطار النحاسي، لكن عينيها تحركتا رغمًا عنها لتستقرا على السطح الزجاجي الداكن.

 

في البداية، لم تعكس المرآة سوى لهب الشمعة الضئيل وقناعها المسكون. ولكن، سرعان ما بدأت الانعكاسات تتغير. تموّج الزجاج وكأنه بركة ماء سقط فيها حجر ثقيل. تراجعت سارة خطوة إلى الخلف، وضغطت بيدها على صدرها وهي تحاول استيعاب ما تراه. ظهرت ملامح وجه آخر داخل الزجاج؛ لم يكن وجهها، بل كان وجه أمها التي اختفت في ظروف غامضة منذ أكثر من عشر سنوات.

 

قالت سارة بصوت يرتجف، بصوت خنقته العبرات: «أمي؟ هل هذا أنتِ بالفعل؟ أم أن عقلي بدأ يفقد صوابه؟»

 

لم ينطق الانعكاس بحرف في البداية، بل اكتفى بمد يده داخل المرآة، وكأنه يحاول اختراق الجدار الزجاجي الفاصل بين عالمين. ارتطمت أصابع الانعكاس بالسطح الصافي لتحدث صوتًا خفيفًا شبيهًا بضربات القلم. ثم ارتسمت ملامح الخوف على وجه الأم المنعكس، وبدأت تحرك شفتيها بسرعة وبلا صوت، وكأنها تحذرها من خطر داهم يقف خلفها مباشرة في الغرفة.

 

تجمّدت الدموع في عيني سارة. شعرت ببرودة مفاجئة تضرب مؤخرة عنقها، وهبطت درجة حرارة الغرفة حتى صار نَفَسُها يخرج على شكل بخار أبيض. لم تجرؤ على التلفت إلى الوراء. كانت تعلم القانون الأول لهذا البيت: «إذا شعرت بأحدهم يقف خلفك في الظلام، فلا تلتفت أبدًا».

 

بدلًا من الالتفات، مدّت سارة يدها اليمنى بسرعة نحو الطاولة، وأمسكت بالقناع الأحمر مجددًا. رفعت القناع وثبّتته على وجهها، وهي تهمس بكلمات مبهمة كانت قد قرأتها في أحد الكتب القديمة المستقرة على الطاولة. في تلك اللحظة، تحوّل التوهج الخافت للشمعة إلى لون أزرق شاحب.

 

«انظري إليَّ يا سارة!» جاء الصوت هذه المرة مخترقًا جدران العقل مباشرة، لم يكن صوتًا مسموعًا بالأذن، بل كان صدى يتردد داخل جمجمتها.

 

سألت سارة وهي تغلق عينيها خلف القناع: «ماذا تريدين مني؟ لماذا عدتِ الآن بعد كل هذه السنين؟»

 

رد الصوت العالي الغاضب: «لم أعد لكي أنقذكِ، بل لكي أمنعكِ من ارتكاب الخطأ نفسه. القناع الذي ترتدينه ليس أداة للحماية، بل هو المفتاح الذي يغلق البوابة على الكيان الذي يستيقظ كلما انطفأت الشمعة. إياكِ أن تدعي الشمعة تنطفئ!»

 

نظرت سارة بنظرة خاطفة من خلال ثقبي القناع نحو الشمعة على الطاولة. كان الفتيل الصغير يصارع الرمق الأخير، والذوبان السريع للشمع يهدد بإطفاء النور كليًا خلال ثوانٍ معدودة. انتابها رعب حقيقي، وأسرعت تتفحص المكان بحثًا عن كبريت أو شمعة أخرى، لكن يديها المتوترتين تسببتا في إسقاط مجموعة الكتب على الأرض بصوت مدوٍّ هز أركان الغرفة.

 

تعالت الصرخات المفزعة من داخل المرآة. تشقق الزجاج فجأة في خطوط متداخلة تشبه شبكة العنكبوت. بدأت الظلال الخفية تتجمع حول أطراف الإطار النحاسي، تمتد كأيدٍ سوداء اللون تحاول الخروج إلى الغرفة.

 

صرخت سارة وهي تتراجع للخلف حتى ارتطم ظهرها بالجدار: «ما هذا؟ ماذا يحدث هنا؟»

 

صاح الصوت في رأسها مجددًا، ولكن هذه المرة كان الصوت متعددًا، وكأن عشرات الأرواح تتحدث في وقت واحد: «لقد تأخرتِ! السحر الذي أبقانا محبوسين هنا انتهى حدّه. الآن، يجب عليكِ اختيار أحد أمرين: إما أن تكسري المرآة وتدفنينا جميعًا معكِ في الظلام إلى الأبد، أو أن تخلعي القناع وتدعينا نأخذ جسدكِ لنعود إلى الحياة!»

 

توقف الزمن بالنسبة لسارة لعدة لحظات. عيناها تنتقلان بين الشمعة المحتضرة، والمرآة المتشققة التي تخرج منها أطراف خيالية سوداء، والقناع المخملي الملتصق بوجهها. علمت أن أي خيار ستتخذه سيغير حياتها إلى الأبد، وأن هذه الليلة لن تكتمل دون أن تضحي بشيء غالٍ.

 

استجمعت سارة كل ما تبقى لديها من شجاعة، ودفعت بقدمها الطاولة بكل قوتها نحو المرآة. ارتطمت الطاولة بالزجاج، وتطايرت شظايا المرآة في جميع أرجاء الغرفة مع انطفاء لهب الشمعة تمامًا. حلَّ الظلام الدامس، وانقطع الصوت فجأة.

 

ساد الصمت المطلق لحظات طويلة. رفعت سارة يدها لتمسح وجهها، لكنها اكتشفت أن القناع لم يعد على وجهها… بل أصبح جلد وجهها هو القناع نفسه.

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *