بقلم الصحفي: عبده أحمد شوشه
في زمنٍ كان فيه مدُّ يد العون للآخرين موقفًا إنسانيًا نبيلًا لا يحتاج إلى تفكير، أصبح فعل الخير اليوم يسبقه سؤالٌ مخيف: هل أساعد… أم أخشى أن أكون أنا الضحية التالية؟
لم تعد المساعدة في هذا الزمن كما كانت في الماضي؛ فقد ترى شخصًا يطلب النجدة بلهفة، لكن يتدخل الخوف سريعًا: هل تقديم المساعدة آمن؟ هل ما أراه حقيقي؟ هل يمكن أن أتورط في مشكلة؟ وهنا يجد الإنسان نفسه في صراعٍ مرير بين رغبته الفطرية في فعل الخير وحرصه الطبيعي على سلامته الشخصية.
هذا الخوف بات مفهومًا ومبررًا، خصوصًا مع تزايد القصص والمعلومات حول استدراج الضحايا بأساليب مختلفة، ومنها:
* *تمثيل الإصابات والاستغاثات الوهمية:* استخدام أصوات أطفال يبكون أو صرخات نجدة مزيفة لاستدراج المارة في طرقات مظلمة أو خالية.
* *حيل الحوادث المصطنعة:* ادعاء شخص ما بمرض مفاجئ، أو افتعال حادث مروري كاذب لإجبار السيارات على التوقف ثم سلبها.
* *استغلال التقنيات والتكنولوجيا:* توظيف النداءات الوهمية لتحديد أماكن نائية يُسهل فيها الانقضاض على من يحاول المساعدة.
تسببت هذه الأسباب في تراجع روح التكافل والمبادرة بين الناس؛ إذ أصبح الفرد حائرًا بين واجبه الإنساني وخوفه المشروعة على سلامته وسلامة عائلته، لا سيما مع اختلاط النداءات الصادقة بالحيل الخبيثة، مما وضع الجميع في دائرة الشك والريب.
وتظهر المشكلة الأكبر عندما يتحول هذا الحذر الضروري إلى تجاهلٍ كامل لمعاناة الآخرين، فيصبح كل محتاجٍ محلَّ شبهة، وكلُّ استغاثة سببًا للابتعاد والهروب.
لكن الحل ليس في أن نتوقف عن مساعدة الآخرين، ولا في أن نغامر بأنفسنا، وإنما في أن نتعلم **”المساعدة بوعي”**. فيمكننا الاتصال بالشرطة أو الإسعاف فورًا عند الاستشعار بوجود خطر، أو طلب العون من أشخاص آخرين في المنطقة، أو التوجه إلى مكانٍ عام وآمن بدل الاقتراب المباشر من موقفٍ مجهول، خصوصًا إذا كان الشخص بمفرده.
إن المساعدة الحقيقية لا تعني إطلاقًا أن نعرض أنفسنا للهلاك، وإنما أن نبحث عن الطريقة الأكثر أمانًا وفاعلية للوصول إلى من يحتاج الدعم.
ختامًا، يحتاج المجتمع إلى أمرين معًا: *قلوبٍ لا تفقد رحمتها، وعقولٍ لا تتخلى عن حذرها.* أن تكون إنسانًا لا يعني أن تتجاهل مخاوفك، بل أن تعرف كيف تحول خوفك إلى وعي، ووعيك إلى مساعدةٍ آمنة ومسؤولة.
![]()
