بقلم الصحفي عبد الرحمن شعبان سعد
في بعض البيوت أصبح المشهد مؤلمًا إلى درجة أننا نجلس جميعًا في المكان نفسه، لكن لا أحد يعيش مع الآخر فعلًا. أب ينظر إلى هاتفه، وأم تتصفح مواقع التواصل، وابن غارق في لعبة، وابنة تتابع مقاطع لا تنتهي، وبين هؤلاء جميعًا أشخاص يحبون بعضهم، لكنهم لا يتحدثون مع بعضهم.
أصبح الهاتف حاضرًا في الطعام، وفي الزيارات، وفي جلسات الأسرة، وحتى في اللحظات التي كان من المفترض أن تكون خاصة بين الإنسان ومن يحب. والغريب أن الهاتف الذي صُنع ليقرب المسافات أصبح في بعض الأحيان سببًا في أبعد مسافة يمكن أن تحدث بين شخصين يعيشان تحت سقف واحد.
المشكلة ليست في الهاتف نفسه، فهو أداة عظيمة إذا استخدمناها بطريقة صحيحة، ويمكن أن يساعدنا في التعلم والعمل والتواصل والوصول إلى المعلومات. المشكلة تبدأ عندما يتحول من أداة نستخدمها إلى شيء يستخدمنا هو، عندما يصبح الإنسان عاجزًا عن تركه ولو لدقائق، وعندما يشعر بالملل بمجرد أن يبتعد عنه، وعندما يصبح أول شيء يبحث عنه عند الاستيقاظ وآخر شيء ينظر إليه قبل النوم.
وهنا تبدأ الخسارة الحقيقية.
قد يجلس الأب بجوار ابنه ساعات طويلة، لكنه لا يعرف ما الذي يشغل عقله. وقد تعيش الأم مع ابنتها في الغرفة نفسها، لكنها لا تعرف ما الذي يحزنها. وقد يجلس الزوج بجوار زوجته، وكل واحد منهما يعيش في عالم مختلف داخل شاشة صغيرة.
ومع الوقت لا تحدث القطيعة فجأة، وإنما تبدأ على شكل دقائق صغيرة.
دقيقة أثناء الطعام.
دقائق أثناء الحديث.
دقائق أثناء زيارة الأقارب.
دقائق قبل النوم.
ثم تتراكم الدقائق حتى يصبح الحديث نفسه ثقيلًا، ويصبح الصمت هو اللغة السائدة داخل البيت.
والأخطر أن بعض الناس أصبحوا يعرفون أخبار أشخاص لا يعرفونهم أكثر مما يعرفون أخبار أقرب الناس إليهم. يعرفون من سافر، ومن اشترى سيارة، ومن تزوج، ومن انفصل، ومن نشر صورة جديدة، لكنهم لا يعرفون لماذا أصبح أخوهم صامتًا، أو لماذا تغيرت ابنتهم، أو لماذا أصبح أحد الوالدين يحتاج إلى الحديث.
وهنا يجب أن نسأل أنفسنا سؤالًا صريحًا
ماذا لو جاء يوم نكتشف فيه أن الهاتف لم يأخذ منا ساعات فقط، بل أخذ منا أشخاصًا لن تعود فرصة الجلوس معهم مرة أخرى؟
فالوقت الذي يضيع أمام الشاشة يمكن تعويض بعضه، لكن لحظة مع أب أو أم أو شخص نحبه قد لا تتكرر. والطفل الذي يكبر وهو يحاول جذب انتباه والديه قد يتوقف يومًا عن المحاولة، ليس لأنه لم يعد يحبهم، بل لأنه تعلم أن الهاتف أهم منهما.
ولا يعني ذلك أن نعيش بعيدًا عن التكنولوجيا أو أن نحاربها، فهذا غير منطقي في عصر أصبحت فيه جزءًا من الدراسة والعمل والحياة اليومية. المطلوب هو أن نستعيد السيطرة عليها، وأن نضع لها مكانًا في حياتنا بدلًا من أن نسمح لها باحتلال حياتنا كلها.
الحلول العملية والإيجابية
أن تخصص الأسرة أوقاتًا يومية يمنع فيها استخدام الهواتف، خصوصًا أثناء الطعام والجلوس العائلي.
أن يلتزم الوالدان بالقواعد التي يضعانها لأبنائهما، لأن الطفل يتعلم من السلوك أكثر مما يتعلم من الكلام.
أن يكون هناك وقت حقيقي للحوار داخل البيت دون شاشات أو مقاطعات.
أن يضع الإنسان الهاتف بعيدًا أثناء حديث شخص آخر معه، لأن النظر إلى الشاشة أثناء الحديث قد يوصل رسالة مؤلمة للطرف الآخر بأنه أقل أهمية.
أن يحدد الشخص أوقاتًا واضحة لاستخدام مواقع التواصل، بدلًا من فتحها بصورة عشوائية طوال اليوم.
أن يستبدل بعض وقت الشاشة بأنشطة حقيقية مثل المشي والرياضة والقراءة والزيارات العائلية.
أن يراجع الإنسان نفسه كل أسبوع ويسألها كم ساعة أعطيتها للهاتف وكم ساعة أعطيتها لمن تحب.
أن يتذكر الآباء أن الطفل الذي يطلب اهتمامهم اليوم قد يصبح شخصًا لا يحتاج إليهم غدًا، لذلك لا تؤجلوا القرب.
الرؤية الإسلامية
قال الله تعالى
﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾
سورة الروم الآية 21
وقال سبحانه
﴿ وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾
سورة الإسراء الآية 23
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
« كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته »
رواه البخاري ومسلم
وقال صلى الله عليه وسلم
« إن لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه »
رواه البخاري
الرؤية المسيحية
جاء في الإنجيل
« لِكُلِّ شَيْءٍ زَمَانٌ، وَلِكُلِّ أَمْرٍ تَحْتَ السَّمَاوَاتِ وَقْتٌ »
سفر الجامعة 3 : 1
وجاء أيضًا
« فَانْظُرُوا كَيْفَ تَسْلُكُونَ بِالتَّدْقِيقِ، لاَ كَجُهَلَاءَ بَلْ كَحُكَمَاءَ، مُفْتَدِينَ الْوَقْتَ لأَنَّ الأَيَّامَ شِرِّيرَةٌ »
رسالة أفسس 5 : 15-16
وتوجد في الإسلام والمسيحية دعوة واضحة إلى حسن استثمار الوقت، وإعطاء الإنسان من حوله حقوقهم من المحبة والاهتمام والرعاية. والتكنولوجيا في حد ذاتها ليست المشكلة، وإنما المشكلة في أن تتحول الوسيلة إلى حاجز يمنع الإنسان من أداء مسؤولياته والتواصل الحقيقي مع من حوله.
وفي النهاية، الهاتف لن يغضب إذا تركته جانبًا، ولن يشعر بالوحدة إذا لم تفتح شاشته، ولن يتذكر أنك تجاهلته.
أما أمك فقد تنتظر منك كلمة.
وأبوك قد يحتاج إلى جلسة معك.
وابنك قد يحاول أن يحكي لك شيئًا مهمًا.
وزوجتك قد تحتاج أن تشعر أنك تستمع إليها فعلًا.
وصديقك قد يكون في أمس الحاجة إلى وجودك.
لذلك عندما تجلس مع من تحب، لا تجعل الشاشة بينكما.
ضع الهاتف جانبًا وانظر في عيون من أمامك.
تحدث معه.
اسمعه.
اضحك معه.
اسأله عن يومه.
فربما تكون تلك الدقائق البسيطة أهم بكثير من آلاف الدقائق التي قضيتها في مشاهدة حياة أشخاص لا يعرفون حتى أنك موجود.
وفي النهاية ستكتشف أن أجمل اتصال في الحياة ليس اتصال الهاتف، وإنما اتصال القلوب.
![]()
