الكاتبة عاليا عجيزة
كان البخار المتصاعد من كوب الشاي الدافئ يلتف في الهواء بهدوء، كأنه ينسج خيوطًا مرئية من السكينة وسط هذا العالم الشديد الصخب.
جلست الحاجة سميحة على مقعدها الخشبي المعتاد بجوار النافذة المطلة على الشارع الهادئ، تمسك بإبريق الخزف وتسكب الماء الدافئ في الفنجان ببطء شديد.
كان هذا الطقس اليومي البسيط هو مساحتها الوحيدة الآمنة للهروب من طاحونة الحياة العصرية، المكان الذي تستطيع فيه أن تتنفس بعمق ودون ركض متواصل خلف الساعات والأيام.
أخرجت من حقيبتها ظرفًا ورقيًا قديمًا، طوت أطرافه بفعل السنين، ووضعت إلى جواره قلمًا جافًا.
كانت هذه رسالتها التي كتبتها لنفسها قبل سنوات عديدة كاملة، في ليلة تشبه هذه الليلة تمامًا، حين كانت في مقتبل العشرينيات، تفيض بالرغبة في غزو العالم، وتحمل على كاهلها أحلامًا جبالًا وتوقعات لا تنتهي من المجتمع والناس حولها.
فتحت الظرف بتمهل، وقرأت الكلمات الأولى التي كتبتها بخط يديها الشاب والمتوتر:
«إلى مريم في المستقبل…
هل أصبحتِ الشخص الذي تمنيته؟ هل حققتِ كل النجاحات التي يطالبنا بها الجميع؟ أم أنكِ استسلمتِ لزحام الحياة وصناديقها الضيقة؟»
ابتسمت مريم ابتسامة هادئة وهي ترتشف جرعة من الشاي الدافئ. لو كانت تستطيع أن تعود بتلك الفتاة الصغيرة إلى هذه الطاولة الآن، لأجلستها بجوارها، ولسكبت لها كوبًا مماثلًا، ولأخبرتها بكلمات مختلفة تمامًا عن تلك التي تبحث عنها.
لقد قضت مريم سنوات طويلة من عمرها وهي تركض في سباق غير مرئي، تحاول إرضاء الجميع، وتسعى للوصول إلى التعاريف المجهزة للنجاح: المنصب الشاهق، والمظهر المثالي، والتواجد الاجتماعي المستمر في كل مكان.
كانت تظن أن قيمة الإنسان تُقاس بما يقدمه للآخرين وما يجمعه من تصفيق وتأكيد خارجي.
لكن الحياة، بطريقتها الهادئة والقاسية في آن واحد، علمتها أن هذا العطاء المستنزف دون اعتناء بالذات ليس سوى احتراق بطيء.
تذكرت مريم تلك اللحظة الفاصلة في حياتها قبل عامين، عندما أوشكت على الانهيار النفسي الكامل بسبب ضغوط العمل والتوقعات الاجتماعية التي لا تتوقف.
في ذلك الوقت، قررت أن تتوقف قليلًا، أن تعيد النظر في جدول أولوياتها، وأن تفهم أن الاعتناء بالنفس وإيجاد التوازن ليس أنانية مطلقًا، بل هو أساس القدرة على العطاء الحقيقي والصحي.
أمسكت بالقلم، وقررت أن تكتب ردها على الرسالة القديمة، لتكمل الحوار بين الماضي والمستقبل.
خطت على الورقة بخط ثابت ومستقر:
«عزيزتي الفتاة التي كنتُها…
لم أصل إلى كل الأشياء التي رسمتِها في مخيلتكِ الشابة، لكنني وصلت إلى شيء أغلى بكثير؛ وصلت إلى السلام الداخلي.»
كتبت مريم توضح لنفسها كيف تغيرت مفاهيمها عن العلاقات والمجتمع. لم تعد تهتم بكثرة المعارف والمظاهر البراقة، بل أصبحت تقدر القعدات البسيطة، والحديث الصادق مع أناس يحبونها كما هي.
تعلمت أن تقول «لا» حينما يكون الاستمرار على حساب صحتها وراحتها النفسية، وتعلمت أن تقبل تقصيرها وبشريتها دون أن تجلد ذاتها.
أضافت في رسالتها:
«النجاح الحقيقي يا مريم،
ليس في أن تصبحي شيئًا يبهر العيون من البعيد،
بل في أن تكوني حاضرة في يومكِ، أن تستمتعي بنبتة صغيرة تنمو بجوار نافذتكِ، بكوب شاي دافئ في ليلة باردة، وبقدرتكِ على الاستماع لمن تحبين بقلب فارغ من التشتت والركض.»
عندما انتهت من الكتابة، طوت الورقة وأعادتها إلى الظرف. شعرت بطاقة غريبة من الامتنان تملأ أركان صدرها، امتنان للتجارب التي صنعت منها هذه الشخصية المتوازنة.
نظرت من النافذة إلى الأشجار التي تهتز ببطء مع هبات الريح الخفيفة، متأكدة من أن المستقبل لا يتطلب منها سوى أن تظل صادقة مع نفسها، أن تعيش كل لحظة بحضور كامل، وأن تتذكر دائمًا أن أجمل رسالة يمكن أن يتركها الإنسان للأيام القادمة هي أن يعيش حاضره بحب وسكينة.
![]()
