...
IMG 20260819 WA0009

 

الكاتبة ترنيم جمال

 

قد تستغرب أنه يوجد أناسًا في هذه الحياة يشعرون بالوحدة، ومنغلقين على أنفسهم، ولا يتكلمون مع أحد، ولا يخرجون من ديارهم، إنه فعلًا أمر مثير؛ لأن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، مثلما قال ابن خلدون، فإنه من المستحيل أن نجد إنسانًا هكذا، لكن لكل قاعدة شواذ.

 

هذا بالضبط ما حدث مع مريم، شابة في مقتبل العمر تبلغ من العمر عشرين عامًا، تريد الهروب من الواقع، وتعيش في عالمها الوهمي الذي نسجته في خيالها، لا توجد فيه صراعات أو حروب، عالم يعم فيه السلام الدائم، وهذا طبعًا في الأحلام وقصص الكرتون.

 

هذه فعلًا كانت نظرتها السابقة عن الحياة في مراهقتها، وتوقعت أن يحدث ذلك عندما تكبر، لكنها اصطدمت بالواقع عندما دخلت المرحلة الجامعية، عالم كبير في كل شيء، كأنه الحياة كلها.

 

أدركت أن نظرتها عن الحياة كلها وهم، أرادت تكوين صداقات وتوسيع شبكة علاقاتها، لكنها واجهت صعابًا، أن ليس كل الناس مثلها يتعاملون بالفطرة.

 

تعرفت على رحمة، كانت صديقتها في الجامعة، اعتبرتها رحمة من الله، كانت أقرب صديقاتها، لكن للأسف مرضت مرضًا خطيرًا، ومريم لم تكن تعلم ذلك. عندما علمت بمرضها وتغيبها عن الجامعة، ذهبت لزيارتها إلى المستشفى، كانت مريضة جدًا، ومريم كانت تبكي وتنهار من البكاء، فقالت لها رحمة:

 

«لما تبكين؟ إنني بخير، الحمد لله. أريدكِ أن تكوني قوية، حتى ولو لستُ بخير، فأنا بذلك سوف أُقابل ربي، وهذا أجمل شيء في الوجود».

 

ثم أكملت:

 

«أريد أن أطلب منك فقط أن تدعي لي، وأن لا تحزني مهما جرى».

 

ثم انتقلت إلى رحمة الله.

 

بعد مرور ثلاثة أشهر، لم تكن مريم مثلما كانت من قبل، ظلت منغلقة على نفسها طوال تلك الفترة، ودخلت في اكتئاب، كانت تتعلق بها جدًا ولا تريد خسارتها أبدًا.

 

ذهبت إلى الطبيبة النفسية؛ حتى تعرف ماذا يحدث لها. ذهبت لأول جلسة، كانت مترددة نوعًا ما، فقالت لها:

 

«أنا أشعر بالضيق الشديد، ومنغلقة على نفسي، ولا أعلم ماذا أفعل».

 

قالت لها الطبيبة:

 

«إن ما تعانين منه طبيعي، ولا يجب أن تقلقي».

 

قالت لها إنه من شدة تعلقها بصديقتها، غير مستوعبة أنها رحلت، يجب أن تتقبل موتها؛ لكي تستطيع أن تتعافى.

 

في بادئ الأمر لم تتقبل ما قالته؛ لأنها بكل بساطة تعلم أنها توفيت، لكن لا تستطيع أن تمضي قدمًا بدونها، هي فقط تحتاج إلى الشجاعة لذلك.

 

حاولت أن تفعل مثلما قالت الطبيبة، لكن دائمًا ما تجد صعوبة في التأقلم، لا تستطيع أن تنسى ما حدث.

 

في إحدى الأيام مرت عليها أمها، رأتها كما هي على حالتها من قبل، ما زالت حزينة، على الرغم من ذهابها المستمر إلى الطبيبة النفسية، لكن لم تتغير.

 

كانت جالسة في الشرفة، هادئة، وتتأمل الطبيعة من حولها، قالت لها:

 

«لماذا مستمرة على هذا الوضع؟ لماذا لا تحاولين أن تتغيري؟ يا ابنتي، عليكِ أن تمضي قدمًا بدونها، هي الآن في مكان أفضل. أنتِ الآن تجعلينها تغضب، هذه لم تكن وصيتها. وصيتها هي أن تكوني قوية وسعيدة في حياتك. يجب أن تقومي بوصيتها. الحزن في القلب، إذا ظللتِ تبكين طوال حياتك لن تنتهي أبدًا؛ لأنك ستظلين تتذكرينها ولن تنسي أبدًا؛ لذلك عليكِ أن تعودي إلى حياتك الماضية».

 

ظلت مريم صامتة، لا تعرف ماذا تفعل، لذلك ظلت صامتة.

 

كانت تريد فقط عدم الدخول في صدمات أخرى، خاصة بعد وفاة جدتها من سنة، كانت لا تريد أن تعيش نفس الوجع مرة ثانية، لكن بعد وفاة رحمة لم تعلم ماذا تفعل.

 

حاولت أن تجد الحل بنفسها، ظلت تبحث على الإنترنت، عرفت أنها تخاف من الفقدان، خاصة إذا كان شخص قريبًا منها، سبق وأن قالت لها الطبيبة ذلك، ولكن لم تكن واعية في ذلك الوقت. كانت دائمًا تحاول تخفي الحقيقة: إن رحمة لم تمت.

 

حاولت أن تخرج من هذه الحالة وتعود إلى حياتها الماضية، عادت إلى كليتها من جديد، كانت تدرس الفنون المسرحية، تعشق الفن جدًا، خاصة الفن الكلاسيكي، حيث الهدوء والسلام، وكل شيء جميل.

 

على الرغم من بعض المضايقات التي كانت تحدث من أقرانها في الجامعة، إلا أنها تحب تخصصها وتتمنى أن تمثل في المسرحية، لكن تراودها بعض الأفكار: هل إذا سلكت هذا الطريق سوف ترتاح أم لا؟

 

الكثير كان يحذرها، لكنها دائمًا مقتنعة أن كل مجال في الحياة سلاح ذو حدين، قد يكون حلالًا أو حرامًا.

 

فمثلًا: الطبيب إذا أخطأ في إحدى العمليات قد يؤثر على حياة مريض، أو يستغل منصبه ويعمل أعمالًا غير شرعية، وكذلك المدرس الذي قد يستغل الطلبة التي تحتاج إليه، ويعطي دروسًا بمبالغ ضخمة، وكذلك المحامي والمهندس، وكذلك باقي الوظائف.

 

فالإنسان إذا لم يتقِ ربه في عمله، قد يفعل ما يغضب، لذلك كانت ترى أن الفن رسالة إذا استُخدم بشكل صحيح.

 

في الحقيقة، رأت نفسها أكثر في مجال كتابة السيناريو، ورأت أنها تريد أن تكون سيناريست بدلًا من أن تكون ممثلة، نظرًا لأنها تريد أن تكون هي المسؤولة عن العمل من وراء الكاميرا، وليس أمامها، وبهذا تفعل ما تشاء، وتوصل الرسالة التي تريدها.

 

كانت تعشق التاريخ، لذلك جلست تقرأ في كتب التاريخ، تريد أن تكتب سيناريو عن قصة تاريخية؛ لكي تعرضها في مشروع تخرجها. يجب عمل مسرحية تشارك فيها مع زملائها، لذلك اقترحت عليهم هذه الفكرة، وقد رحبوا بها، لكن كانت تريد قصة لم تُروَ من قبل، أو بمعنى أدق، لم تتعمل من قبل.

 

ظلت تبحث عن قصص تاريخية لم يتم تجسيدها، وجدت أنه تم تجسيد قصص تاريخية كثيرة. في ذلك الوقت حاولت أن تقرأ في الأدب العربي بدلًا من التاريخ، فقد تصادف شخصية من الأدب تكتب عنها، لكن وجدت أن الموضوع سيكون معقدًا إذا فعلت ذلك.

 

بعد برهة، اتفقت مع زملائها أن يخرجوا؛ لكي يجدوا حلًا لهذا الموضوع ويتفقوا حول محتوى المسرحية.

 

كانوا جالسين في شارع المعز، يعد من أشهر المعالم التاريخية في القاهرة، فقرروا أن يأتوا لهذا المكان؛ لأنه تاريخي، فمن الممكن أن يساعدهم على استلهام بعض الأفكار تساعدهم.

 

لكن ما لفت نظر مريم هو حلقات الذكر عند الحسين. كانت هذه أول مرة ترى هؤلاء، يطلق عليهم الصوفيون، ورأت، للأسف، بعض العادات الخاطئة، مثل: بعض الناس يدعون بأولياء الله الصالحين، والبعض الآخر يطلب البركات من الشيخ.

 

لفت نظرها جدًا هذا المنظر، فقررت أن تكون المسرحية عن الصوفية. أخبرت زملاءها بذلك، اندهشوا جدًا من هذه الفكرة، على الرغم من أنها جديدة، لكنها غريبة نوعًا ما.

 

قالوا لها:

 

«إنهم ليسوا معترضين، لكن عليهم أولًا إخبار دكتور المادة عن هذه الفكرة».

 

في اليوم التالي، قرروا إخبار الدكتور بهذه الفكرة. في بادئ الأمر اعترض، لكن بعد محاولات اقتنع. كان فقط يخشى أن يقدموا الفكرة بأسلوب خاطئ، هو يريد منهم أن يؤدوا باحترافية.

 

طبعًا كانت أصعب خطوة، وأول خطوة هي كتابة السيناريو. بالنسبة لمريم، كانت تشعر أن هذه مهمة صعبة، لكن تحبها.

 

ظلت تبحث كثيرًا عن ما هو معنى الصوفية الأساسي، بعيدًا عن الخرافات التي رأتها سابقًا، فهي عرفت أن الصوفية في الأصل معناها التصوف، وهو التأمل والزهد في الدنيا واللجوء إلى الله في كل وقت وكل حين.

 

كلما تعمقت مريم في الصوفية، كلما ارتاحت، وأدركت ضعفها في تخطي الصعاب، وأنها فقط بحاجة إلى اللجوء إلى ربها.

 

اختارت أن تكتب عن شخصية كانت تعاني من الرهاب من الناس بسبب ما حدث لها من صدمات وخذلان من الناس، وبعد فترة سوف تلتقي ببعض الأشخاص الذين سيساعدونها على تخطي كل ذلك، لكن من خلال الصوفية ومفهوم الصوفية الصحيح.

 

وهؤلاء الأشخاص من عالم آخر، ليس من هذا العالم، لكن كانوا في الماضي يعانون مثلها، لكن عندما سلكوا طريق الصوفية اهتدوا وأصبحوا علماء وفقهاء.

 

حاولت أن تدخل التاريخ في هذا الموضوع عن طريق ربط هذه الشخصيات بأنها من أزمنة مختلفة، وحاولت أن لا تلقي الضوء على شخصية بعينها، حاولت أن تجعل الموضوع خياليًا نوعًا ما.

 

بدأوا في الاتفاق على اختيار الأدوار، وبالطبع بدأت الصراعات، كل واحد فيهم يريد أن يأخذ دور الشخصية الرئيسية، لكن الدكتور كان يرى أن ولا واحد منهم يستطيع لعب هذه الشخصية، فقرر أنهم سيلعبون الشخصيات التي سوف تراها الشخصية الرئيسية.

 

وكان عددهم خمسة على حسب كتابة مريم، وكل شخصية في زمن مختلف، أحدهم في عهد المماليك، وأخرى في عهد الملكية، وهكذا إلى آخر حقبة ذكرتها مريم كانت في السبعينات.

 

رأى الدكتور أن مريم هي التي تستطيع أن تلعب هذه الشخصية، على الرغم من أنها لم تقم بأي دور من قبل، ولا حاولت حتى التدريب، لكن رأى أنها قادرة على تجسيد ما كتبته؛ لأنه كان رآها في مرة تحاول تجسيدها، فشعر أنها قادرة.

 

طبعًا استغربت مريم جدًا؛ لأنها كانت تريد أن تكتفي بالكتابة.

 

هذا الأمر أشعل الغيرة في قلب زملائها، خاصة ريم، كانت دائمًا تغير منها، لكنها قالت للدكتور إنها أفضل منها؛ لأنها جربت التمثيل من قبل، لكن هي لا.

 

في النهاية، لم يكترث لها، وفعل الذي يريده.

 

بعد أسبوع من التحضير والتجهيز، جاء يوم العرض. تم التجهيز لكل شيء، لكن ريم حاولت أن تخرب كل شيء، لكنها فشلت، الدكتور لحقها وطردها من الجامعة.

 

كانت مريم تشعر بالتوتر، لكن هدأتها أمها. جاءت هي وأبوها ليحضرا العرض.

 

طلعت على المسرح، وكلها خوف، حاولت أن تهدأ، أدت بشكل خرافي، وكل واحد منهم أدى دوره بإتقان. الكل انبهر، اعتقد الجمهور أنها لوحة فنية من كثرة الإبداع، ظنوا أنها مسرحية لشكسبير من كثرة الجمال.

 

لكن مريم شعرت أنها ترى أشخاص المسرحية الحقيقيين حولها، ويقولون لها:

 

«أحسنتِ، أديتِ دوري بإتقان، وجاء دورك لتكملي هذه المسيرة وتكوني مثلنا صوفية».

 

فعلًا شعرت بذلك، لكنها كانت مجرد تخيلات لا أكثر.

 

كان أهلها فخورين بها جدًا، شعرت لأول مرة أنها حققت إنجازًا.

 

في نهاية اليوم، وهي جالسة في غرفتها، قررت أن تكتب منشورًا وتضعه على الفيس بوك، تقول:

 

«إذا جاءتك فرصة لتتغير، خذها وتشبث بها، لا تتركها تضيع منك، قد تجعلك هذه الفرصة شخصًا آخر تشكر نفسك فيما بعد على ما وصلت إليه».

 

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *