...
IMG 20260819 WA0012

 

الكاتبة عاليا عجيزة

 

كان الصمت في ساحة الكنيسة المنسية يملك ثقلًا ماديًا، كأنه حجارة المقابر المتناثرة حولها.

 

وقفت «إيلينا» عند مدخل قوس القبو الحجري المظلم، يلفها ثوبها الأسود الطويل المطرز بالدانتيل الداكن، بينما تدلى شعرها الفاحم على كتفيها بجمود كئيب.

 

كانت تمسك بيدها اليسرى كمانًا كلاسيكيًا عتيقًا خشنًا، وبيدها اليمنى قوس الكمان الصلب الذي ينتهي برأس حاد يشبه السيف الصغير.

 

لم تكن هناك أدنى حركة في المكان؛ حتى التمثال الحجري للملاك المنحوت على الجدار العتيق كان يبدو وكأنه يتأمل حزنها وشحوب وجهها بأسى أزلي لا ينتهي.

 

رفعت إيلينا قوس الكمان ببطء شديد، ووضعت آلتها الخشبية على كتفها العاري الشاحب.

 

بلعت غصتها الحارقة وهي تسترجع في ذهنها السبب المصيري الذي جاء بها إلى هذا المكان الموحش في منتصف الليل.

 

قبل قرن كامل من الزمان، وفي هذه البقعة المظلمة بالذات، خمدت أنفاس عازف الكمان الموهوب «أدريان» في حادثة غامضة ومروعة لم يُكشف سرها قط للأعلانية.

 

وكان السر الوحيد الذي تركه خلفه هو معزوفة موسيقية ناقصة مدونة على ورقة قديمة احتفظت بها عائلتها جيلًا بعد جيل، وهي معزوفة يُقال إن من يمتلك الشجاعة لإكمال عزفها ليلًا أمام مدخل القبو سينادي روح صاحبها من أعماق العتمة.

 

شدّت إيلينا قبضتها على القوس الخشبي، ثم مررته بقوة على أوتار الكمان المعدنية الحادة.

 

انطلقت النغمة الأولى مشبعة ببرودة قاسية، نغمة حزينة ومتهدجة تمزق سكون الليل المطبق، وتتردد أصداؤها المرتفعة بين الجدران العتيقة المغطاة بنبات اللبلاب الجاف.

 

واصلت العزف بخطوات متسقة، وتنسيق دقيق وصارم للنغمات، فكانت الانتقالات المتسارعة بين الحدة والهدوء تشبه حركة الأنفاس الأخيرة لجسد يحتضر على فراش الموت.

 

ومع كل شطر موسيقي جديد تعزفه ببراعة، كان الضباب الأبيض الكثيف يزداد اتساعًا تحت قدميها، يزحف ببطء شديد من قلب القبو المظلم، كأنه أيدٍ خفية تحاول الإمساك بطرف فستانها الأسود.

 

لم تتوقف إيلينا عن العزف لحظة واحدة، بل زادت من حركة يدها لتمرير القوس بقوة أكبر وأشد، مستدعية كل مشاعر الألم واللوعة المحبوسة في صدرها طوال السنوات الماضية.

 

كانت تعلم يقينًا أن الغلطة الواحدة في أداء هذا اللحن المعقد قد تجعل الروح المستدعاة تنقلب إلى غضب عارم ومدمر، لكن ثباتها وإصرارها الشديد على معرفة الحقيقة كانا أقوى بكثير من أي خوف قد يتسلل إلى قلبها.

 

فجأة، وعندما وصلت إلى مقطع الذروة في المعزوفة الحزينة، توقف صوت الريح عن الصفير تمامًا.

 

اهتزت أحجار القوس الحجري الضخم خلفها، وانبعث تيار هوائي شديد البرودة من داخل القبو المظلم، يحمل معه رائحة البخور المنسي والتراب المبلل بماء المطر.

 

رفعت إيلينا رأسها قليلًا دون أن تتوقف أطرافها عن العزف، فرأت عيونًا غائمة تشع بنور ضبابي شاحب، تتطلع إليها بجمود من عتمة الباب الداخلي.

 

توقفت نغمة الكمان الأخيرة بفرقعة حادة وشديدة، كادت تكسر أحد الأوتار المشدودة.

 

خيم السكون التام مجددًا على ساحة المقبرة، لكنه لم يكن سكونًا خاليًا هذه المرة؛ بل كان حضورًا أثيريًا ثقيلًا يملأ الهواء والنسمات من حولها.

 

ترجل طيف «أدريان» بخطوات خفيفة غير ملموسة من عتمة القبو الشديدة، وكان يرتدي معطفًا عتيقًا، وملامحه غارقة في شحوب أثيري مرعب، ونظراته الثابتة مثبتة بالكامل على آلة الكمان الموضوعة على كتفها.

 

قال الهمس الغامض الذي لم يخرج من شفتيه الشاحبتين، بل تردد مباشرة داخل جمجمتها وفي وعيها:

 

«لقد أتممتِ اللحن الملعون الذي تركته غير مكتمل قبل رحيلي… لماذا أيقظتِ روحًا استراحت في عمق الظلام منذ مائة عام؟»

 

أنزلت إيلينا آلة الكمان ببطء شديد إلى جانبها، وثبتت قوسه الحاد نحو الأسفل.

 

جمدت نظراتها وقالت بصوت ثباته ينضح بالإصرار والتحدي:

 

«أيقظتك لأن هذه المعزوفة لم تكن مجرد نوتات موسيقية عابرة…

 

كانت شفرة مخفية، وخريطة سرية تدل على المكان الذي أخفيت فيه وصيتك الحقيقية التي سُرقت من عائلتنا وظلمتنا لعقود.

 

لن أغادر هذا المكان الليلة حتى أسترد الحق الذي ضاع بسبب صمتك الطويل».

 

مال الطيف الشاحب برأسه نحو التمثال الحجري للملاك، وارتفعت شبه ابتسامة حزينة على وجهه الشفاف، قبل أن يشير بيده نحو قاعدة الجدار.

 

«الحق لم يكن مفقودًا يا ابنتي… الحق كان دائمًا هنا، حارسًا للسر المخبأ تحت أقدام الملاك، ينتظر فقط يدًا شجاعة تتقن العزف دون أن ترتجف أصابعها من الظلام».

 

تراجع الطيف ببطء نحو القبو الداخلي ليختفي تمامًا داخل الضباب المتصاعد، بينما انقشعت البرودة القاسية تدريجيًا.

 

وقفت إيلينا وحدها مجددًا، ونظرت إلى قاعدة التمثال الحجري، ثم قبضت على كمانها وقوسها بإحكام، وخطت أولى خطواتها بثقة نحو الجدار لتنهي صراعًا أهلك عائلتها لمئة عام.

 

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *