...
IMG 20260823 WA0055

بقلم الصحفي عبد الرحمن شعبان سعد

 

 

قد يبدو الإنسان من الخارج محاطًا بالناس من كل جانب، لديه قائمة طويلة من الأصدقاء، ومئات أو آلاف المتابعين، ورسائل لا تتوقف على هاتفه، وتعليقات وإعجابات تظهر كل يوم. ومع ذلك، عندما تسقط عنه الأقنعة وتأتي لحظة حقيقية يحتاج فيها إلى شخص يقف بجانبه، قد يكتشف الحقيقة المؤلمة: ليس كل من يعرفون اسمك يعرفون قلبك، وليس كل من يضحكون معك مستعدين للبقاء عندما تبكي.

 

وهنا تظهر واحدة من أكثر مفارقات عصرنا قسوة.

 

كيف يمكن لإنسان أن يكون محاطًا بهذا العدد الهائل من الأشخاص، ثم يشعر أنه وحيد؟

 

المشكلة أن العلاقات أصبحت عند البعض كثيرة في العدد، فقيرة في المعنى. أصبح من السهل أن تضيف شخصًا، وأن تتعرف إلى شخص، وأن تتبادل معه الحديث، لكن من الصعب أن تبني علاقة حقيقية تحتاج إلى وقت وصبر وصدق ومواقف.

 

لقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تغيير مفهوم الصداقة. أصبح الإنسان أحيانًا يعتبر الشخص الذي يتفاعل معه باستمرار صديقًا، مع أنه قد لا يعرف عنه شيئًا حقيقيًا. لا يعرف كيف يتصرف عندما يغضب، ولا كيف يتعامل مع الضعف، ولا هل سيقف بجانبه إذا احتاج إليه، ولا هل سيحفظ سره عندما تختلف المصالح.

 

وهنا يجب أن نفهم أن كثرة المعارف لا تعني قوة العلاقات.

 

قد تعرف مئات الأشخاص، لكنك تحتاج في لحظة واحدة إلى شخص واحد فقط يقول لك: أنا بجانبك.

 

وقد تمتلك عشرات الأرقام في هاتفك، لكنك عندما تمر بأزمة قد تتردد في الاتصال بأي منهم لأنك تعرف أن العلاقة لم تكن عميقة بما يكفي.

 

والأمر لا يتعلق بالآخرين وحدهم، فبعض الناس أنفسهم أصبحوا لا يعرفون كيف يكونون أصدقاء حقيقيين. يريدون من الآخرين أن يسمعوهم، لكنهم لا يسمعون. يريدون الوفاء، لكنهم لا يوفون. يريدون أن يجدوا الناس إلى جوارهم وقت الشدة، لكنهم يختفون عندما يحتاج إليهم أحد.

 

وهنا تصبح العلاقة قائمة على الأخذ لا العطاء.

 

ومن أخطر أسباب ضعف العلاقات أن البعض أصبح يختار أصدقاءه بناءً على المصلحة أو المكانة أو الشهرة أو المنفعة. فإذا انتهت المصلحة انتهت العلاقة، وإذا تغيرت الظروف تغيرت المعاملة، وإذا لم يعد الشخص قادرًا على تقديم شيء، اختفى من حياة الآخرين.

 

لكن الصداقة الحقيقية تظهر عندما لا يكون لديك شيء تقدمه.

 

تظهر عندما تكون متعبًا.

 

تظهر عندما تفشل.

 

تظهر عندما تحتاج إلى من يسمعك دون أن يسألك ماذا سيحصل في المقابل.

 

ولهذا فإن الإنسان لا يحتاج إلى دائرة ضخمة من العلاقات بقدر ما يحتاج إلى دائرة صادقة. شخص أو اثنان يمكن أن يكون وجودهما في حياتك أثمن من مئات العلاقات السطحية.

 

كما أن الإنسان يجب أن يتعلم ألا يضع كل أسراره ومشاعره أمام الجميع. فالثقة ليست شيئًا يُمنح بسرعة، وإنما تُبنى بالمواقف. ومن الخطأ أن تمنح شخصًا مكانة كبيرة في حياتك لمجرد أنه يعرف كيف يتحدث معك بطريقة جميلة.

 

الكلمات سهلة، لكن المواقف هي الاختبار الحقيقي.

 

الحلول العملية والإيجابية

 

أن يراجع الإنسان علاقاته ويسأل نفسه: من الأشخاص الذين يمكنني الاعتماد عليهم فعلًا؟

 

أن يتوقف عن قياس قيمة صداقاته بعدد المتابعين أو الرسائل أو التفاعلات.

 

أن يتعلم الاستماع كما يحب أن يستمع إليه الآخرون.

 

أن يكون موجودًا وقت حاجة أصدقائه، لا وقت راحتهم فقط.

 

أن يحفظ أسرار الآخرين ولا يستخدم نقاط ضعفهم ضدهم عند الخلاف.

 

أن يبني العلاقات على الصدق والاحترام والثقة، لا على المصلحة المؤقتة.

 

أن يعطي العلاقات الحقيقية وقتًا واهتمامًا، لأن العلاقة التي لا تُروى بالمواقف تضعف مهما كانت بدايتها جميلة.

 

أن يتقبل أن دائرة العلاقات الصغيرة ليست دليلًا على الفشل، فقد يكون القليل الصادق أفضل كثيرًا من الكثير الذي لا يبقى وقت الحاجة.

 

أن يبتعد عن العلاقات التي تقوم على الاستغلال أو الإهانة أو الابتزاز العاطفي، فليس كل شخص يجب أن يحتفظ الإنسان به في حياته.

 

الرؤية الإسلامية

 

قال الله تعالى

 

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾

 

سورة الحجرات الآية 10

 

وقال سبحانه

 

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾

 

سورة المائدة الآية 2

 

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

 

« المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا »

 

رواه البخاري ومسلم

 

وقال صلى الله عليه وسلم

 

« لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه »

 

رواه البخاري ومسلم

 

الرؤية المسيحية

 

جاء في الإنجيل

 

« اَلْوَدِيعُ يَسْكُنُ بِالطُّمَأْنِينَةِ، وَالْمُحِبُّ يَكْسِبُ الْمَحَبَّةَ »

 

المعنى الكتابي العام في سفر الأمثال

 

وجاء أيضًا

 

« اَلْحَقُّ أَنَا أَقُولُ لَكُمْ: لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ »

 

إنجيل يوحنا 15 : 13

 

وتوجد في الإسلام والمسيحية دعوة واضحة إلى المحبة الصادقة، والتعاون، ومساندة الآخرين، وأن تكون العلاقات الإنسانية قائمة على الخير والوفاء لا على المنفعة وحدها. فالعلاقة الحقيقية ليست بكثرة الأشخاص من حولنا، وإنما بصدق المواقف التي تجمعنا بهم.

 

وفي النهاية، لا تقف يومًا أمام عدد الأشخاص الموجودين في هاتفك وتظن أنك لست وحيدًا.

 

انظر إلى من سيطرق بابك عندما تمر بأزمة.

 

انظر إلى من سيجلس بجوارك عندما تفشل.

 

انظر إلى من سيحفظ سرك عندما تختلف معه.

 

انظر إلى من يستطيع أن يفرح لنجاحك دون أن يشعر بالغيرة منك.

 

هؤلاء هم الناس الذين يستحقون أن تحتفظ بهم.

 

فالحياة لا تحتاج إلى جمهور كبير بقدر ما تحتاج إلى قلوب صادقة. وقد يكون الإنسان محاطًا بمئات الأشخاص لكنه يعيش وحيدًا، بينما قد يعيش شخص آخر بدائرة صغيرة جدًا لكنه يشعر بالأمان لأنه يعرف أن هناك من لن يتركه عندما تتغير الظروف.

 

لذلك لا تجعل هدفك أن تعرف الجميع، بل أن تعرف قيمة من يستحقون أن يكونوا في حياتك. ولا تبحث عن كثرة العلاقات، بل ابحث عن صدقها. لأن الإنسان في أصعب لحظاته لا يحتاج إلى مئات الأيدي التي تصفق له، وإنما يحتاج إلى يد واحدة تمتد إليه عندما يسقط وتقول له بصدق:

 

أنا هنا… ولن أتركك وحدك.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *