...
IMG 20260824 WA0028

بقلم الصحفي عبد الرحمن شعبان سعد

 

 

 

هناك كلمة قصيرة جدًا، لكنها أصبحت ثقيلة على ألسنة كثير من الناس: «أنا آسف».

 

كلمتان فقط قد تكونان قادرتين على إنهاء خصام طويل، وإصلاح علاقة كادت تنتهي، وإعادة الثقة بعد خطأ، لكن بعض الناس أصبحوا يتعاملون مع الاعتذار وكأنه هزيمة، وكأن الإنسان عندما يعترف بخطئه يخسر مكانته أو يقل احترامه أمام الآخرين.

 

وهنا تكمن المشكلة.

 

فالإنسان الذي لا يستطيع الاعتذار ليس بالضرورة قويًا، بل قد يكون أسيرًا لكبريائه. لأنه يعرف في داخله أنه أخطأ، لكنه يرفض الاعتراف، ليس لأن الحقيقة غائبة عنه، وإنما لأن غروره أقوى من رغبته في الإصلاح.

 

وقد نرى هذا الأمر داخل الأسرة بصورة مؤلمة. أب يخطئ في حق ابنه، لكنه يرى أن الاعتذار سيجعله يفقد هيبته. وأم تظلم ابنتها في موقف ما، لكنها تفضل الصمت حتى لا تقول إنها أخطأت. وزوج يجرح زوجته بكلمات قاسية، ثم ينتظر منها أن تتصرف وكأن شيئًا لم يحدث. وصديق يتسبب في مشكلة، لكنه يختار الابتعاد بدل أن يقول كلمة بسيطة تعيد الأمور إلى مكانها.

 

والنتيجة أن الخطأ الصغير يكبر.

 

ليس لأن المشكلة كانت كبيرة، وإنما لأن أحدًا لم يمتلك الشجاعة ليقول: أخطأت.

 

وهناك فرق كبير بين الاعتذار والضعف.

 

الضعيف قد يعتذر عن شيء لم يفعله خوفًا من خسارة الآخرين، أما القوي فيعتذر عندما يعرف أنه أخطأ، لأنه يملك شجاعة مواجهة نفسه قبل مواجهة الناس.

 

والاعتذار الحقيقي ليس مجرد كلمة تقال لإنهاء النقاش، بل هو اعتراف بالخطأ، وشعور بمشاعر الطرف الآخر، ومحاولة حقيقية لعدم تكرار ما حدث.

 

فإذا قال الإنسان «أنا آسف» ثم عاد إلى الخطأ نفسه مرات متكررة، أصبح الاعتذار مجرد كلمة بلا قيمة. أما عندما يتحول الاعتذار إلى سلوك جديد، فإنه يصبح بداية حقيقية للإصلاح.

 

ومن أخطر ما يفعله الكبرياء أنه يجعل الإنسان ينتظر أن يبدأ الطرف الآخر بالاعتذار حتى لو كان هو المخطئ. وقد تمر الأيام، ثم الشهور، وربما تنتهي العلاقة بالكامل، بينما يظل كل طرف يقول في داخله: «هو الذي يجب أن يبدأ».

 

وفي النهاية يخسر الاثنان.

 

وهنا يجب أن نفهم أن بعض العلاقات لا تحتاج إلى شخص ينتصر، بل تحتاج إلى شخص يبدأ بالإصلاح.

 

قد يكون الاعتذار في لحظة معينة أصعب من الخصام، لكنه أحيانًا يكون أكثر شجاعة من ألف كلمة في الدفاع عن النفس.

 

والاعتذار لا يعني أن الإنسان بلا كرامة، ولا يعني أنه يسمح للآخرين بإهانته، ولا يعني أن عليه أن يتحمل ظلمًا مستمرًا. الاعتذار يكون عن الخطأ الذي ارتكبه الإنسان، أما الظلم فلا يجب أن يتحول إلى عادة باسم التسامح.

 

الحلول العملية والإيجابية

 

أن يتعلم الإنسان الاعتراف بخطئه فور إدراكه، وألا ينتظر حتى تتراكم النتائج.

 

أن يعتذر عن الخطأ بوضوح دون استخدام كلمات تحمل اللوم للطرف الآخر.

 

أن يربط الاعتذار بتغيير السلوك، لأن الفعل بعد الاعتذار هو الاختبار الحقيقي لصدقه.

 

أن يتعلم الآباء الاعتذار لأبنائهم عندما يخطئون في حقهم، فهذا لا يسقط هيبة الأب بل يعلم الأبناء معنى المسؤولية.

 

أن يتوقف الإنسان عن انتظار اعتذار الآخرين حتى يبدأ هو بالإصلاح إذا كان مخطئًا.

 

أن يفرق بين الاعتذار عن الخطأ وبين التنازل عن الكرامة أو قبول الإهانة.

 

أن يتعلم الإنسان أن الاعتذار في الوقت المناسب قد يمنع جرحًا يستمر سنوات.

 

أن نربي أبناءنا على أن قول «أنا أخطأت» ليس عيبًا، بل علامة على النضج وتحمل المسؤولية.

 

الرؤية الإسلامية

 

قال الله تعالى

 

﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾

 

سورة آل عمران الآية 134

 

وقال سبحانه

 

﴿ فَمَنۡ عَفَا وَأَصۡلَحَ فَأَجۡرُهُ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴾

 

سورة الشورى الآية 40

 

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

 

« وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا »

 

رواه مسلم

 

وقال صلى الله عليه وسلم

 

« ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب »

 

رواه البخاري ومسلم

 

الرؤية المسيحية

 

جاء في الإنجيل

 

« فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ، وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئًا عَلَيْكَ، فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ، وَاذْهَبْ أَوَّلًا اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ »

 

إنجيل متى 5 : 23-24

 

وجاء أيضًا

 

« وَكُونُوا لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ، شَفُوقِينَ، مُتَسَامِحِينَ كَمَا سَامَحَكُمُ اللهُ أَيْضًا فِي الْمَسِيحِ »

 

رسالة أفسس 4 : 32

 

وتوجد في الإسلام والمسيحية دعوة واضحة إلى العفو والإصلاح والتسامح، وإلى عدم ترك الخصومات تتحول إلى عداوات دائمة. فالاعتذار الصادق ليس إهانة للإنسان، وإنما خطوة نحو إصلاح ما أفسده الخطأ، كما أن التسامح الحقيقي لا يعني قبول الظلم، وإنما يعني اختيار الإصلاح عندما يكون الإصلاح ممكنًا.

 

وفي النهاية، قد تكتشف بعد سنوات أن كلمة «آسف» التي رفضت قولها بسبب كبريائك كانت أسهل بكثير من الندم الذي حملته بعدها.

 

قد تخسر صديقًا لأنك لم تعتذر.

 

وقد يبتعد ابن عن والده لأن الأب لم يعترف يومًا بأنه أخطأ.

 

وقد تنتهي علاقة زوجية لأن كل طرف انتظر الآخر ليبدأ.

 

وقد يموت شخص وأنت تحمل في قلبك كلامًا كنت تستطيع أن تنهيه بكلمة واحدة.

 

لذلك لا تجعل كبرياءك أكبر من علاقاتك.

 

إذا أخطأت، اعتذر.

 

إذا ظلمت، أصلح.

 

إذا جرحت، داوِ الجرح.

 

وإذا كنت قادرًا على إنهاء الخصام بكلمة طيبة، فلا تجعل العناد يمنعك.

 

فالإنسان لا يصبح عظيمًا لأنه لا يخطئ، وإنما تظهر عظمته في قدرته على الاعتراف بخطئه، وتحمل مسؤوليته، ومحاولة إصلاح ما أفسده.

 

وأحيانًا تكون أقوى جملة يمكن أن يقولها الإنسان ليست «أنا على حق»، وإنما:

 

«أنا أخطأت… وأريد أن أصلح ما حدث».

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *