...
IMG 20260831 WA0018

 

 

الكاتبة: رضوى سامح عبد الرؤوف

 

الجميع يعتقد أنهم يعرفون كل شيء عن بعضهم البعض، ولا يوجد أي سر خفي أو ألم مدفون لسنوات، ولكن الحقيقة أن هذا الاعتقاد زائف منا؛ لاعتقادنا بأن كل الناس كتاب مفتوح أمام بعضهم البعض، وأسرارنا لا يعلمها غيرنا، ولا أحد يستطيع معرفة شيء خفي بدون أن نتحدث بهذا الشيء الخفي؛ والحقيقة هي أن كلًّا منا له سر خفي لا يعلمه إلا نفسه.

 

وبالنسبة للحياة العامة التي تعتبر كالكتاب المفتوح، أو الفيلم الذي تكون أنت بطل عرضه، ويشاهده الجميع من حولك والمقربون لك؛ فللأسف هذا كذب؛ لأن حياتنا أصبحت أسرارًا، فمشاعرنا، وأفكارنا، ومشاكلنا لأنفسنا فقط، لم نشاركها مع أحد، ولا يشعر بنا أحد، فقط الكل يعتمد ما يراه من زاويته الصغيرة لنا، وما يراه على مواقع التواصل الاجتماعي من صور، وكلمات، وحكايات جميلة فقط؛ فهم يحكمون بذلك، ولا يدركون الحقيقة ومدى عمقها.

 

فهم يرون من زاويتهم الصغيرة إننا منشغلون بالحكايات وقصص مواقع التواصل الاجتماعي، ونتحدث: مَن قال؟ ومَن فعل؟ وبالنسبة لجيل ما بعد الألفية، أو ما يسمى بالجيل الرقمي؛ فهم منشغلون بشاشات الهواتف، ومتابعة آخر الصيحات الجديدة (التريند). هذا ما يعتقدون، وهم يروننا من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، ويعرفون الأخبار عن بعضهم البعض منها، حتى لو كانت زائفة، أو ملخصًا بسيطًا من لحظة جميلة في حياة بائسة؛ ولكنهم لن يروا سوى ما يظهر بالسوشيال ميديا، ويعتمدونه دون التأكد من الحقيقة، أو السؤال: كيف حالك؟

 

وهذا السؤال أصبح يُسأل الآن كتأدية واجب، بسؤال عابر: كيف حالك؟ وتوقُّع استماع إجابة: أنا بخير، حتى لو الحقيقة إنك لست بخير.

 

وبالنسبة للجيل الرقمي، فهم يعتقدون أن هذا الجيل يعيش حياة مرحة للغاية، ولا يشغل بال أحدهم بشيء سوى فعل التريند، ونشر الصور الجميلة على السوشيال ميديا، وتجربة الألعاب الجديدة الأونلاين، وأن حياتهم محصورة بشاشات الهواتف فقط.

 

ولكن الحقيقة لا يعلمها سوى هذا الجيل نفسه، أو الشخص نفسه الذي لديه سر خفي، ويعاني بسببه لسنوات، ويخفي معاناته عن الجميع، ويكتفي فقط بأن يظهر كل يوم بقناع الحب، والود، والمرح أمام الجميع، حتى لو كانت حقيقته من الداخل عكس ذلك.

 

وللأسف، مجتمعنا يعتمد الظواهر للغاية، ولا يفهم غيرها، والأسرار الخفية والمدفونة بقلوبنا لا تهرب ولا تتذكرها طوال حياته كالندوب إلا الشخص نفسه، وليس مَن حوله؛ ولذلك الحقيقة ستظل حقيقة بأن عالم كلٍّ منا مفعم بالأسرار التي لا يعلمها أحد، وخاصة الجيل الرقمي لديه أسرار عميقة، ولا يبوح بها لأحد، ولا حتى لنفسه؛ لأنه يخشى المواجهة، فقط يكتفي بالتفكير فيها ووجودها بالذاكرة كالندوب الأليمة، وكلما تذكرها، كلما عاد النزيف مرة أخرى.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *