...
IMG 20260827 WA0050

 

الكاتبة: عاليا عجيزة

 

 

لم تكن الشقة رقم (4B) مجرد مساحة سكنية في أحدث أحياء المدينة، بل كانت المقر الرئيسي والقلب النابض للحياة الاجتماعية لثلاث صديقات قررن أن يجعلن من بيتِهن ملتقى دافئًا لا يهدأ. وفي قلب هذه الشقة، كانت تلك الغرفة تحديدًا هي المسرح الأكبر والأهم لكل الفعاليات والقصص اليومية.

 

كانت الغرفة تتميز بتصميم كلاسيكي ساحر يجمع بين ستائر الدانتيل الشفافة المنسدلة من السقف، والثريا الكريستالية التي تعكس أضواءً دافئة، والسجادة اليدوية التي تتمدد على أرضية خشبية مصقولة، لكن هذه الفخامة الهادئة لم تكن تُستخدم للاسترخاء الفردي أو الصمت، بل كانت دائمًا ممتلئة بأصوات الضحكات، ورائحة القهوة، وحركة الصديقات والزوار التي لا تتوقف.

 

بدأ صباح يوم السبت، وهو اليوم المخصص لـ«صالون الفطور الأسبوعي».

 

كانت الشتائم والضحكات تتردد منذ الساعة الثامنة صباحًا. فتحت نادين النافذة الكبيرة ذات الزخارف الكلاسيكية لتسمح لنور الشمس ونسمات الصباح الباردة بالدخول، بينما كانت ستائر الشيفون الرقيقة تتحرك بتناغم مع الموسيقى الهادئة المنبعثة من سماعة صغيرة وُضعت بجوار المصباح الجانبي.

 

على السرير الفسيح، المزين بالغطاء المطرز بالدانتيل الأبيض، لم يكن هناك من يناقش النوم؛ بل تمددت مريم وهي ممسكة بجهاز الكمبيوتر المحمول، تستعرض تفاصيل رحلتهن القادمة، بينما كانت ياسمين تجلس على الكرسي المخملي الذهبي بجوار النافذة، تحضر قائمة بالمدعوين لحفل المساء.

 

«هل سنكتفي بستة أشخاص فقط في السهرة؟» تساءلت ياسمين وهي ترتشف من كوب الشاي، لترد مريم بصوت مفعم بالحماس وهي تقفز فوق السرير:

 

«بالتأكيد لا! لقد دعت سارة رفاقها من فرقة المسرح، ورامي وعد بأنه سيحضر جيتاره، والغرفة تسعنا جميعًا بالتأكيد!»

 

بحلول منتصف النهار، تحولت الغرفة إلى بيت زجاجي مضاء بالحيوية. لم تكن الغرفة مجرد مكان للنوم، بل تحولت الطاولة الجانبية المصنوعة من الخشب الأبيض المنقوش إلى محطة تقديم مصغرة، رُصت عليها أطباق الكرواسون الطازج، وأكواب العصير الملونة، وصواني الحلي.

 

توافد الأصدقاء واحدًا تلو الآخر؛ دخل كريم وهو يحمل كاميرته الاحترافية لالتقاط صور تذكارية للجلسة، متخذًا من إطار السرير الكلاسيكي والستائر خلفية مثالية، بينما جلست سلمى ونور على السجادة الشرقية المزخرفة، تتبادلان أطراف الحديث حول مشاريع التصميم الجديدة.

 

الجميل في هذه الغرفة هو كيفية امتصاصها لطاقة الجميع. فالسرير المحاط بستائر التول والكرانيش لم يعد مجرد قطعة أثاث، بل تحول إلى منصة رئيسية للجلوس والنقاشات الجماعية الحادة حول الأفلام والكتب.

 

الكرسي الذهبي الباروكي استضاف بدوره ثلاثة أشخاص مختلفين على مدار اليوم، كل منهم يروي مغامرته الأخيرة للجميع.

 

وفي كل زاوية، كان هناك تفاعل حي؛ انعكاس أضواء الثريا الكريستالية كان يضفي سحرًا على وجوه الجالسين، والدانتيل المتدلي كان يتحرك كلما مرت إحدى الصديقات مسرعة لتفقد الضيوف في الصالة الخارجية.

 

مع حلول المساء، أُغلقت الستائر الخارجية جزئيًا، وخفتت الإضاءة الرئيسية ليحل محلها الوهج الدافئ للثريا والمصابيح الجانبية.

 

انساب صوت الجيتار في أرجاء الغرفة الكلاسيكية، وجلس الجميع في حلقة دائرية يمتد بعضها على السرير والبعض الآخر على الأرضية الخشبية. امتلأت المساحة بالغناء الجماعي والتصفيق، وتداخلت أصداء القهقهات مع رنين الأكواب الخزفية. لم يكن هناك وجود للملل أو العزلة؛ كانت الغرفة تتنفس بوجود هذا التجمع الإنساني الدافئ.

 

حتى عندما بدأ الضيوف بالمغادرة متأخرين، وظلت الآثار اللطيفة لليوم الحافل متناثرة في الغرفة من أوراق مدونة وكؤوس شاي، كانت الصديقات الثلاث يجلسن وسط السرير الشاسع، متعبات لكنهن ممتلئات بالسعادة.

 

نظرن إلى ستائر الدانتيل المتدلية وإلى الثريا المضيئة، وتوافقن على أن سحر هذا المكان لا يكمن في فخامته أو تصميمه القديم، بل في هذه الروح الحية التي تنبض داخل جدرانه، وفي كل ذكرى جديدة تُكتب تحت سقفه كل يوم.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *