...
IMG 20260831 WA0040

بقلم الصحفي عبد الرحمن شعبان سعد

 

هناك كلمة قد يقولها شخص في ثوانٍ، ثم ينساها تمامًا، بينما يقضي شخص آخر سنوات وهو يتذكرها.

 

قد تكون كلمة عن الشكل، أو الوزن، أو طريقة الكلام، أو الملابس، أو المستوى الاجتماعي، أو الدراسة، أو حتى طريقة التفكير. وقد يضحك من قالها، ويضحك من حوله، ثم ينتهي الموقف بالنسبة لهم، لكن بالنسبة للشخص الذي تلقى الكلمة قد تبدأ معركة طويلة مع نفسه.

 

هذه هي واحدة من أخطر صور التنمر.

 

أن يعتقد شخص أنه كان يمزح، بينما كان الطرف الآخر يتألم.

 

وأن تتحول الضحكة إلى غطاء لإهانة إنسان لا يستطيع الدفاع عن نفسه.

 

التنمر ليس مجرد كلمة قاسية، وليس مجرد موقف عابر بين مجموعة من الأصدقاء. التنمر قد يكون تكرارًا للسخرية والإهانة والإقصاء والتقليل من شخص آخر، وقد يحدث في المدرسة أو الجامعة أو مكان العمل أو الشارع أو حتى داخل الأسرة، وأصبح العالم الرقمي مساحة واسعة يمكن أن ينتقل إليها التنمر بصورة أسرع وأقسى.

 

والخطير أن بعض الناس أصبحوا يستخدمون جملة «كنت بهزر» للهروب من مسؤولية ما قالوه.

 

لكن السؤال الحقيقي هنا:

 

هل كونك تضحك يعني أن الشخص الآخر لم يتألم؟

 

بالطبع لا.

 

المزاح الذي يحتاج إلى إهانة شخص آخر حتى ينجح ليس مزاحًا بريئًا. والضحك الذي يكون على حساب كرامة إنسان آخر ليس دليلًا على خفة الظل.

 

وقد يكون الشخص الذي يتعرض للتنمر صامتًا، لكنه ليس بخير.

 

قد يعود إلى منزله ويغلق باب غرفته، ويظل يعيد الكلمات التي سمعها في رأسه. قد يبدأ في كراهية جزء من شكله، أو يخجل من الحديث أمام الآخرين، أو يتجنب الأماكن التي يتعرض فيها للسخرية، وقد يفقد ثقته بنفسه تدريجيًا.

 

والأصعب أن بعض الأشخاص الذين يتعرضون للتنمر لا يخبرون أحدًا.

 

ليس لأن الأمر بسيط، وإنما لأنهم يخافون أن تصبح المشكلة أكبر.

 

وقد يظن البعض أن الطفل أو الشاب يستطيع أن يتجاهل الأمر بسهولة، لكن الإنسان عندما يسمع الإهانة بصورة متكررة قد يبدأ مع الوقت في تصديقها.

 

وهنا تتحول كلمات الآخرين إلى صوت داخل رأسه.

 

يقول له: أنت أقل من غيرك.

 

أنت لا تستحق.

 

الناس لا تحبك.

 

أنت مختلف بطريقة سيئة.

 

وهذه هي اللحظة التي يصبح فيها التنمر أخطر من مجرد موقف؛ لأنه يبدأ في تشكيل صورة الإنسان عن نفسه.

 

لكن المسؤولية ليست على الشخص الذي يتعرض للتنمر وحده.

 

المجتمع كله مسؤول.

 

والأسرة مسؤولة عندما تربي أبناءها على احترام الاختلاف.

 

والمدرسة مسؤولة عندما ترى التنمر وتسكت.

 

والأصدقاء مسؤولون عندما يضحكون على الإهانة بدلًا من إيقافها.

 

وكل شخص يشاهد شخصًا يُهان ثم يختار الضحك أو الصمت، يجب أن يسأل نفسه: ماذا لو كنت أنا مكانه؟

 

والأخطر من ذلك أن التنمر قد ينتقل من جيل إلى جيل إذا لم نتوقف أمامه.

 

طفل يتعرض للسخرية، فيتعلم أن القوة تعني إهانة الأضعف منه، ثم يكبر ويكرر ما تعرض له مع شخص آخر.

 

وهكذا تستمر الدائرة.

 

ولذلك فإن مواجهة التنمر لا تبدأ فقط بمعاقبة المتنمر، وإنما تبدأ بتغيير الفكرة التي تجعل الإنسان يعتقد أن اختلاف الآخرين فرصة للسخرية منهم.

 

الحلول العملية والإيجابية

 

أن نعلم أبناءنا منذ الصغر أن اختلاف الناس في الشكل والقدرات والطباع ليس سببًا لإهانة أحد.

 

أن يتوقف الأصدقاء عن الضحك على الإهانة، لأن ضحكة الجمهور قد تمنح المتنمر شعورًا بأن ما يفعله مقبول.

 

أن يتحدث الشخص الذي يتعرض للتنمر مع شخص بالغ يثق به، وألا يحمل الأمر وحده.

 

أن تتعامل المدارس ومؤسسات العمل مع التنمر بجدية، وألا تعتبره مجرد «هزار بين الناس».

 

أن يتعلم الإنسان أن الدفاع عن شخص يتعرض للإهانة ليس تدخلًا زائدًا، وإنما موقف إنساني.

 

أن يتجنب الشخص الرد على التنمر بإهانة أكبر، لأن تحويل الضحية إلى متنمر آخر لن يحل المشكلة.

 

أن يضع الإنسان حدودًا واضحة أمام من يتعمد إهانته، وأن يبتعد عن البيئة التي تستمر فيها الإساءة عندما يكون الابتعاد ممكنًا.

 

أن تراقب الأسرة التغيرات المفاجئة في سلوك أبنائها، مثل الانعزال أو الخوف من الذهاب إلى المدرسة أو فقدان الرغبة في الأنشطة التي كانوا يحبونها.

 

وأن نتذكر جميعًا أن الكلمة الطيبة لا تكلف شيئًا، لكنها قد تغير يوم إنسان كامل، وربما تغير حياته.

 

الرؤية الإسلامية

 

قال الله تعالى

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾

 

سورة الحجرات الآية 11

 

وقال سبحانه

 

﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾

 

سورة البقرة الآية 83

 

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

 

« المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده »

 

رواه البخاري ومسلم

 

وقال صلى الله عليه وسلم

 

« ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء »

 

رواه الترمذي

 

الرؤية المسيحية

 

جاء في الإنجيل

 

« لَا تَخْرُجْ كَلِمَةٌ رَدِيَّةٌ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ، بَلْ كُلُّ مَا كَانَ صَالِحًا لِلْبُنْيَانِ حَسَبَ الْحَاجَةِ، كَيْ يُعْطِيَ نِعْمَةً لِلسَّامِعِينَ »

 

رسالة أفسس 4 : 29

 

وجاء أيضًا

 

« لَا تَذُمُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ »

 

رسالة يعقوب 4 : 11

 

وتوجد في الإسلام والمسيحية دعوة واضحة إلى احترام الإنسان، والابتعاد عن السخرية والإهانة والكلام المؤذي، وإلى استخدام الكلمة في البناء لا في الهدم. فالإنسان لا يصبح أقوى عندما يحطم شخصًا آخر، ولا يصبح أكثر قيمة عندما يسخر من شخص مختلف عنه.

 

في النهاية

 

قبل أن تضحك على شخص بسبب شكله، تذكر أنه لم يختر كل تفاصيل شكله.

 

وقبل أن تسخر من طريقة كلامه، تذكر أنك لا تعرف ما مر به حتى أصبح يتحدث بهذه الطريقة.

 

وقبل أن تقلل من شخص بسبب ظروفه، تذكر أن الظروف يمكن أن تتغير، وأن الإنسان الذي تراه ضعيفًا اليوم قد يكون أقوى منك غدًا.

 

وقبل أن تقول «كنت بهزر»، انظر إلى وجه الشخص الذي أمامك.

 

هل ضحك فعلًا؟

 

أم أنه ابتسم فقط حتى لا يظهر ألمه؟

 

لا تجعل اختلاف إنسان عنك سببًا في كسره.

 

ولا تجعل قدرتك على الوصول إلى نقطة ضعفه وسيلة لإيذائه.

 

فالقوة ليست أن تعرف كيف تجرح الآخرين، وإنما أن تعرف أنك تستطيع جرحهم ثم تختار ألا تفعل.

 

وقد ينسى الإنسان كثيرًا من الأشياء التي حدثت له، لكنه قد لا ينسى أبدًا الشخص الذي جعله يشعر أنه مقبول كما هو.

 

لذلك كن أنت هذا الشخص.

 

كن الذي يرفع من يشعر بأنه مكسور.

 

كن الذي يوقف الضحكة عندما تتحول إلى إهانة.

 

كن الذي يقول لمن يتعرض للتنمر: أنت لست أقل من أحد.

 

فربما تكون جملة منك سببًا في أن يستعيد إنسان ثقته بنفسه، بينما كانت جملة قاسية من شخص آخر سببًا في أن يفقدها.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *