بقلم الصحفي عبد الرحمن شعبان سعد
هناك وحدة لا علاقة لها بعدد الأشخاص الموجودين حول الإنسان.
قد يجلس رجل مسن وسط أبنائه وأحفاده، يسمع أصواتهم طوال اليوم، ويرى الحركة في المنزل من حوله، ومع ذلك يشعر بأنه وحيد.
قد تكون الغرفة مليئة بالناس، لكن لا أحد يجلس بجواره.
وقد يكون الهاتف يرن طوال الوقت، لكن لا أحد يسأله: كيف تشعر؟
وقد تكون الأسرة كلها موجودة على مائدة واحدة، لكنه يشعر أن الزمن تركه خلفهم.
وهنا نصل إلى واحدة من أكثر المشكلات الاجتماعية التي تحتاج إلى وقفة صادقة: وحدة كبار السن داخل أسرهم.
كثيرون يتعاملون مع كبار السن وكأن احتياجاتهم انتهت بمجرد أن تقدم بهم العمر. فإذا وفرنا لهم الطعام والدواء والمسكن اعتقدنا أننا أدينا كل ما علينا.
لكن الإنسان لا يحتاج إلى الطعام فقط.
يحتاج إلى كلمة.
إلى اهتمام.
إلى شخص يستمع إلى قصته للمرة العاشرة دون أن يقول له: لقد حكيت لنا هذا من قبل.
كبار السن لا يحتاجون فقط إلى من يخدمهم، وإنما يحتاجون إلى من يشعرهم بأن وجودهم ما زال مهمًا.
وهنا تكمن المشكلة.
قد يكون الابن منشغلًا بعمله، والأحفاد منشغلين بدراستهم وهواتفهم، والزوجة أو الزوج لديهم مسؤولياتهم، ويمر اليوم بعد اليوم، حتى تتحول الوحدة إلى شيء طبيعي داخل البيت.
ثم نتذكره عندما يحتاج إلى الطبيب.
نسأله هل تناول الدواء؟
هل أكل؟
هل نمت جيدًا؟
لكننا لا نسأله أحيانًا السؤال الأهم:
هل أنت سعيد؟
وقد يكون أكثر ما يؤلم كبار السن ليس المرض، وإنما الشعور بأنهم أصبحوا عبئًا على من يحبون.
وهذا الشعور قد يجعل الإنسان يتوقف عن طلب المساعدة حتى عندما يحتاج إليها، لأنه لا يريد أن يزعج أبناءه.
وقد يخفي حزنه حتى لا يقلقهم.
وقد يصمت عندما يشعر بالإهمال لأنه لا يريد أن يكون سببًا في مشكلة داخل الأسرة.
ومع الوقت قد يتحول الصمت إلى عزلة.
والعزلة إلى حزن.
والحزن إلى فقدان الرغبة في الحياة الاجتماعية.
وهنا يجب أن نفهم أن رعاية كبار السن ليست مجرد مسؤولية مادية، وإنما مسؤولية إنسانية وأخلاقية.
فالإنسان الذي حملك عندما كنت طفلًا، وانتظر عودتك من المدرسة، وسهر عندما كنت مريضًا، لا يستحق أن يشعر في نهاية عمره أنه أصبح شخصًا زائدًا عن الحاجة.
وقد يقول البعض: نحن مشغولون.
وهذا صحيح.
الحياة أصبحت سريعة، والعمل والالتزامات كثيرة.
لكن المشكلة ليست دائمًا في عدم وجود الوقت، وإنما في طريقة استخدامه.
قد يقضي الإنسان ساعة كاملة يتصفح الهاتف، لكنه يقول إنه لا يملك عشر دقائق للجلوس مع والده.
وقد يقضي وقتًا طويلًا في مشاهدة مقاطع لا يتذكرها بعد دقائق، لكنه لا يستطيع أن يجلس بجوار أمه ويسمع منها قصة عن الماضي.
المشكلة إذن ليست دائمًا نقص الوقت.
أحيانًا تكون نقص الاهتمام.
والأمر لا يعني أن يتحول الأبناء إلى أشخاص يتركون حياتهم بالكامل من أجل كبار السن، وإنما أن يعيدوا التوازن، وأن يعرفوا أن هناك أشخاصًا يحتاجون إلى وجودهم وليس فقط إلى أموالهم.
والأجمل أن وجود كبار السن داخل الأسرة يمكن أن يكون مصدرًا عظيمًا للخبرة والحكمة.
هم ذاكرة البيت.
هم الذين عاشوا ظروفًا لم نعشها.
يعرفون قيمة أشياء قد نعتبرها بسيطة.
ويملكون قصصًا تحمل تاريخ الأسرة وتفاصيلها.
وعندما نهملهم، لا نخسر فقط مشاعرهم، بل نخسر جزءًا من ذاكرتنا.
الحلول العملية والإيجابية
أن تخصص الأسرة وقتًا ثابتًا للجلوس مع كبار السن، حتى لو كان وقتًا قصيرًا لكنه منتظم.
أن نستمع إلى حديثهم باهتمام، وألا نجعل تكرار القصص سببًا للسخرية أو الضيق.
أن يشارك الأبناء والأحفاد كبار السن في بعض الأنشطة البسيطة، مثل المشي أو تناول الطعام أو مشاهدة شيء يحبونه.
أن نسألهم عن احتياجاتهم النفسية، وليس فقط احتياجاتهم الصحية والمادية.
أن نشركهم في المناسبات والقرارات الأسرية التي تناسبهم، حتى يشعروا بأن لهم مكانة حقيقية داخل الأسرة.
أن نعلم الأطفال احترام كبار السن والتحدث معهم بلطف، لأن العلاقة بينهم يمكن أن تكون مصدرًا رائعًا للمحبة والخبرة.
أن ننتبه إلى علامات العزلة والحزن والتغير المفاجئ في السلوك، وألا نعتبرها مجرد نتيجة طبيعية للتقدم في العمر.
أن نستخدم التكنولوجيا لتقريب المسافات، خصوصًا إذا كان أحد الأبناء بعيدًا، من خلال المكالمات المنتظمة والاطمئنان الحقيقي.
وأن يتذكر كل ابن أن خدمة والديه لا تعني فقط توفير احتياجاتهما، بل تعني أيضًا أن يشعرهما بأنهما محبوبان ومقدران.
الرؤية الإسلامية
قال الله تعالى
﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾
سورة الإسراء الآية 23
وقال سبحانه
﴿ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾
سورة الإسراء الآية 24
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
« ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا »
رواه أبو داود والترمذي
وقال صلى الله عليه وسلم
« رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه. قيل: من يا رسول الله؟ قال: من أدرك والديه عند الكبر، أحدهما أو كليهما، ثم لم يدخل الجنة »
رواه مسلم
الرؤية المسيحية
جاء في الإنجيل
« أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ »
سفر الخروج 20 : 12
وجاء أيضًا
« وَإِنْ كَانَتْ أَرْمَلَةٌ قَدْ تَرَكَتْ أَوْلَادًا أَوْ أَحْفَادًا، فَلْيَتَعَلَّمُوا أَوَّلًا أَنْ يَقْدِمُوا الإِحْسَانَ إِلَى أَهْلِ بَيْتِهِمْ، وَأَنْ يُوَفُّوا وَالِدِيهِمْ الْمُكَافَأَةَ، لأَنَّ هذَا صَالِحٌ وَمَقْبُولٌ أَمَامَ اللهِ »
رسالة تيموثاوس الأولى 5 : 4
وتوجد في الإسلام والمسيحية دعوة واضحة إلى احترام الوالدين وكبار السن، وإلى رد الجميل والرعاية والرحمة، وعدم ترك الإنسان الذي أفنى سنوات عمره في خدمة أسرته يشعر بأنه أصبح بلا قيمة.
فالأسرة الحقيقية لا تقيس قيمة الإنسان بعمره، ولا تعتبر كبار السن عبئًا يجب تحمله، وإنما ترى فيهم جزءًا أصيلًا من البيت وتاريخًا لا يمكن تعويضه.
في النهاية
قد يأتي يوم تجلس فيه بجوار كرسي فارغ وتتمنى لو أن الشخص الذي كان يجلس عليه ما زال موجودًا.
وقد تتذكر مكالمة لم ترد عليها.
وزيارة قلت سأقوم بها لاحقًا.
وجلسة أجلتها لأنك كنت مشغولًا.
وكلمة كان يمكن أن تقولها ولم تقلها.
وفي تلك اللحظة لن تستطيع إعادة الزمن.
لذلك لا تنتظر مرض والديك حتى تبدأ في الاهتمام بهما.
ولا تنتظر أن يصبح كبير السن عاجزًا حتى تكتشف قيمته.
ولا تجعل انشغالك بالحياة يجعلك تنسى الأشخاص الذين كانوا سببًا في أن تصل إلى ما أنت عليه اليوم.
اجلس مع أبيك.
اسأل أمك عن يومها.
استمع إلى ذكريات جدك.
اسمع قصة جدتك حتى لو سمعتها عشر مرات.
ضحك معهم.
خذ رأيهم.
اجعلهم يشعرون أنهم ما زالوا جزءًا أساسيًا من حياتك.
فكبار السن لا يريدون أن يوقفوا حياتك من أجلهم، وإنما يريدون أن يشعروا أنهم لم يخرجوا منها.
وفي النهاية، أجمل ما يمكن أن تقدمه لمن كبر في العمر ليس فقط أن تعطيه ما يحتاج إليه، وإنما أن تجعله يشعر بأنه ما زال محبوبًا، وما زال مهمًا، وما زال له مكان لا يستطيع أحد أن يأخذه داخل قلبك.
لأن الإنسان قد يعيش سنوات طويلة وهو يظن أن لديه وقتًا كافيًا، ثم يكتشف فجأة أن بعض الأشخاص لم يكن ينقصه معهم وقت طويل، بل كانت تنقصه فقط لحظة اهتمام صادقة.
![]()
