بقلم الصحفي عبد الرحمن شعبان سعد
هناك مشاعر لا تظهر في الكلمات، وإنما تظهر في التصرفات.
قد ينجح شخص قريب منك، فتبتسم أمامه وتقول له: «مبروك»، لكن شيئًا في داخلك لا يكون سعيدًا. قد ترى صديقك يتقدم في عمله، أو زميلك يحقق حلمًا انتظره سنوات، أو أحد أفراد أسرتك يحصل على فرصة جميلة، فتبدأ بدلًا من أن تفرح له في البحث عن سبب يقلل من قيمة نجاحه.
وهنا تبدأ مشكلة اجتماعية خطيرة لا نتحدث عنها كثيرًا.
الحسد والمقارنة.
لماذا أصبح نجاح الآخر عند بعض الناس تهديدًا لهم؟
ولماذا أصبح البعض يشعر أن تفوق شخص آخر يعني بالضرورة أنه أصبح أقل منه؟
الحقيقة أن الإنسان الذي لا يعرف قيمة نفسه قد يقضي حياته وهو يقيس نفسه بالآخرين. فإذا وجد شخصًا سبقه شعر بالنقص، وإذا وجد شخصًا نجح شعر بالغيرة، وإذا رأى أحدًا يمتلك شيئًا لا يملكه بدأ يبحث عن عيوبه حتى يقنع نفسه أن هذا النجاح لا يستحقه.
وهذه المشكلة لا تبدأ دائمًا من الكراهية.
أحيانًا تبدأ من المقارنة.
شاب يرى صديقه حصل على وظيفة جيدة، فيسأل نفسه: لماذا هو وليس أنا؟
فتتحول المقارنة إلى ضيق، والضيق إلى غيرة، والغيرة إلى محاولة التقليل من نجاح الآخر.
وقد تحدث المشكلة داخل الأسرة نفسها.
أخ يغار من أخيه.
أخت تقارن نفسها بقريبتها.
صديق لا يحتمل أن يرى صديقه أفضل منه.
زميل يضايقه أن يحصل غيره على التقدير.
وفي بعض الأحيان يصل الأمر إلى أن الإنسان لا يكتفي بعدم الفرح لغيره، بل يبدأ في وضع العراقيل أمامه، أو نشر الكلام عنه، أو التشكيك في قدراته، أو انتظار لحظة سقوطه حتى يشعر بالراحة.
وهنا نصل إلى أخطر نقطة.
عندما يصبح سقوط الآخرين مصدرًا للسعادة.
وهذا ليس نجاحًا.
الإنسان الذي يحتاج إلى سقوط غيره حتى يشعر أنه أفضل، لم يبنِ قيمته الحقيقية، وإنما بناها على مقارنة مؤقتة. لأن الشخص الذي يتفوق عليك اليوم قد يتفوق عليك غدًا، وقد تتغير الظروف، وقد يصبح الشخص الذي كنت تقلل منه سببًا في نجاحك أنت.
ولذلك فإن المجتمع الذي تنتشر فيه المقارنة المستمرة يصبح مجتمعًا متعبًا.
الناس لا يعودون يفرحون لبعضهم.
النجاح يتحول إلى استفزاز.
والتميز يتحول إلى سبب للانتقاد.
والإنسان يبدأ في إخفاء إنجازاته خوفًا من كلام الآخرين.
وقد يصل الأمر إلى أن بعض الناس يخافون من إعلان نجاحهم حتى أمام أقرب الأشخاص إليهم، لأنهم جربوا من قبل أن يتحول فرحهم إلى حسد، أو أن يسمعوا كلمات تقلل من تعبهم بدلًا من أن تشجعهم.
لكن الحل ليس أن نخفي نجاحاتنا، ولا أن نكره الناجحين.
الحل أن نغير الطريقة التي ننظر بها إلى نجاح الآخرين.
نجاح شخص آخر لا يعني أنك فشلت.
رزق شخص آخر لا يعني أن رزقك انتهى.
تفوق شخص آخر لا يعني أنك أقل قيمة.
فالناس لا يعيشون في سباق واحد، ولا يبدأون من النقطة نفسها، ولا يملكون الظروف نفسها.
وقد يكون ما تراه نجاحًا كبيرًا عند شخص آخر نتيجة سنوات طويلة من التعب لم ترها أنت.
وقد يكون ما تملكه أنت حلمًا لشخص آخر ولا تعرف ذلك.
ولهذا فإن أول خطوة لعلاج الحسد هي أن يتوقف الإنسان عن مقارنة حياته بحياة غيره.
أن ينظر إلى طريقه هو.
أن يسأل نفسه: ماذا أستطيع أن أطور؟
ما الذي أحتاج إلى تعلمه؟
ما الخطوة التي أستطيع أن أبدأ بها اليوم؟
بدلًا من أن يظل مشغولًا بالسؤال: لماذا أصبح غيري أفضل مني؟
الحلول العملية والإيجابية
أن يتعلم الإنسان أن يفرح لنجاح الآخرين دون أن يعتبر نجاحهم إهانة له.
أن يحول الغيرة إلى دافع للتطور، فيسأل نفسه ماذا يمكنني أن أتعلم من هذا الشخص؟
أن يتوقف عن مقارنة بداياته بمنتصف طريق الآخرين.
أن يبتعد عن متابعة حياة الآخرين بصورة مبالغ فيها، خصوصًا على مواقع التواصل الاجتماعي، لأن الإنسان يرى النتائج ولا يرى دائمًا سنوات التعب التي سبقتها.
أن يتدرب على تهنئة الآخرين بصدق، حتى لو كان يشعر في البداية بشيء من الغيرة.
أن يركز على إنجازاته الشخصية بدلًا من مراقبة إنجازات الناس.
أن يتعلم الوالدان عدم مقارنة الأبناء ببعضهم، لأن المقارنة المستمرة قد تزرع الغيرة بينهم بدلًا من المحبة.
أن يتذكر الإنسان أن رزق الآخرين ليس خصمًا من رزقه، وأن لكل شخص طريقه ووقته وظروفه.
وإذا وجد الإنسان أن مشاعر الغيرة أصبحت تدفعه إلى إيذاء الآخرين أو تخريب علاقاتهم، فعليه أن يتوقف مع نفسه بصدق ويطلب المساعدة المناسبة قبل أن تتحول المشاعر إلى سلوك مؤذٍ.
الرؤية الإسلامية
قال الله تعالى
﴿ وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾
سورة النساء الآية 32
وقال الله تعالى
﴿ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴾
سورة الفلق الآية 5
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
« لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا »
رواه البخاري ومسلم
وقال صلى الله عليه وسلم
« لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه »
رواه البخاري ومسلم
الرؤية المسيحية
جاء في الإنجيل
« لِنَفْرَحْ وَنَبْتَهِجْ وَنُعْطِهِ الْمَجْدَ، لأَنَّ عُرْسَ الْخَرُوفِ قَدْ جَاءَ »
سفر رؤيا يوحنا 19 : 7
وجاء أيضًا
« الْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى وَتَرْفُقُ. الْمَحَبَّةُ لاَ تَحْسِدُ »
رسالة كورنثوس الأولى 13 : 4
وتوجد في الإسلام والمسيحية دعوة واضحة إلى محاربة الحسد والغيرة المؤذية، وإلى أن يتعامل الإنسان مع نجاح الآخرين بالمحبة لا بالكراهية، وبالتشجيع لا بالتقليل. فالإنسان الذي يحب الخير لغيره لا يخسر شيئًا، بل يرفع من قيمة المجتمع كله، بينما الحسد لا يوقف نجاح الآخرين، وإنما يستهلك صاحبه من الداخل.
في النهاية
تذكر دائمًا أن نجاح شخص بجوارك ليس إعلانًا عن فشلك.
إذا نجح صديقك، فافرح له.
إذا تفوق أخوك، فشجعه.
إذا حصل زميلك على فرصة كنت تتمنى الحصول عليها، فلا تحاول إسقاطه، بل تعلم منه واستمر في طريقك.
لأن الإنسان الذي يقضي عمره في مراقبة نجاح الآخرين قد ينسى أن لديه طريقًا خاصًا به.
ولا تجعل نجاح الناس يسرق منك سلامك.
ربما تأخرت أنت، لكن هذا لا يعني أنك لن تصل.
وربما سبقك شخص آخر، لكن هذا لا يعني أن طريقك انتهى.
وربما حصل غيرك على فرصة لم تحصل عليها، لكن الحياة لا تمنح كل شيء للجميع في الوقت نفسه.
لا تحسد من وصل، بل اسأل نفسك كيف تصل أنت.
ولا تنتظر سقوط الناجح حتى تشعر أنك أفضل منه.
ابنِ نجاحك أنت.
لأن أجمل انتصار ليس أن ترى غيرك يفشل، وإنما أن تنجح دون أن تتمنى الفشل لأحد.
![]()
