...
Img 20250619 wa0039

 

 بِقـلم: خديجة محمود عوض.

 

ما بينَ الحياةِ والموتِ، تأتيـك رسائلُ من اللّـه، وهذهِ إحداها إليكَ .

استعملني اللّـه لتوصيلها لك، علّها تكون نورًا ينيرُ طريقك، وذكرى تنفعُ قلبـكَ. 

حين ضاقت بي الأرضُ بِما رَحُبَـت، وتكاثرت الهموم علىٰ عاتقي

حتى خِلت أنني أغرق في بحرٍ لا قرار له، استدعيت ذلك الكائن الذي يُمثلني وكنت أنا هو يومًا من أيام الحياة المريرة

ذاك الذي سبقني إلىٰ المثوىٰ الأخير، إلى حيث اللاعودة، حيث الصمت المطلق

حيث ينعدم الضجيج وتغيب الحياة كما نعرفها.. إنه ذلك الراحل الذي احتواه التراب، وأخفاه الموت عن الأنظار

لكنه ربما حمل معه أسرارًا لم يبلغها الأحياء بعد كان ميتًا

أو ربما لم يكن سوى ذِكـرىٰ لشخصٍ كان هنا ثم غاب

لكنني في تلك اللحظة صدّقتُ أنني قادرٌ علىٰ محادثته، علىٰ سؤاله عن كل ما لم أجد له تفسيرًا

ناديته، فلم يُجبني، فكررتُ النداء بصوتٍ أقرب للهمس، فشعرتُ بوجوده

أو ربما كان وهمًا ولدته حاجتي الملحّة للمعرفة

لا أعلم، لكنني سأقص عليكم قصتي على أي حالٍ.. 

 

 

قلتُ له، وصوتي يحمل رجفة الأسئلة الوجودية:

“يا من رحلتَ قبل الأوان، وأبصرتَ ما لم يدركه الباقون، حدثني عن سر الحياة !

كيف يمضي الإنسان في عالمٍ تتضاءل فيه الأشواق

وتصبح الأفراح فيه نادرة كشذرات الذهب؟

كيف يُحتمل العيش مَـن عَرِفَ أن الحياة ليست سِوىٰ سراب؟”

 

ترددت همساتٌ في الظلام، كأنها صدى قادم من العدم، كلماتٌ تسبح بيني وبينه

أو لعلها لم تكن إلا توهماتِ عقلي المرهَق: “أيها السائل، إن كنت تبحث عن سر الحياة

فاعلم أن سرها لا يُدرك إلا بعد الموت، لكن ليس ذاك الموت الذي تحسبه نهاية، بل موتٌ آخر موتُ الإرادة

أن تموت عن التوقعات التي تخنق روحك، أن تدفن الأحزان التي تحيا في داخلك، أن تتحرر من سجن ذاتك

فالحياة لا تُرى جميلة إلا حين يتخفف القلب من أوزاره، حين يفهم أن الجمال ليس في العالم الخارجي

بل في أعماقه، في صبره على ما لا يفهمه، في قدرته على أن يحب الحياة رغم ثقلها، إن كُنت تريد أن تعيش

متْ بإرادتك عن كل ما يجعلك أسيرًا، تحيا.”

 

تأملتُ كلماته، حاولتُ أن أفهمها، لكنها تسربت من بين أصابعي كما يتسرب الضباب عند الفجر، فتساءلتُ

وقد تملكني شعورٌ غريب وقُلت له:”هل لي أن أُرافقك للحظاتٍ إلىٰ هُناك؟ إلىٰ حيثُ تنكشف الحقائق وتتبدد الأوهام؟

ليتني أستطيع أن أذوق الموت دون أن أفقد الحياة، لأدرك أسرار هذا المدىٰ البعيد

لأعود بفهمٍ جديد… هل يحق لي أن أطلب ذلك؟”

 

لكنّ الصوت خبا، والصدى تلاشىٰ لم يكن ثمّة إجابة، كأن الموت قد ابتلعه مجددًا، أو كأنني لم أخاطب أحدًا منذ البداية.

 

أدركتُ حينها أن السؤال لم يكن عن الموت، بل عني، عن حقيقة وجودي، هل كنتُ أبحث عن الحياة أم عن الهروب منها؟

وهل يحق للحي أن يسأل الميت عن معنى الحياة، أم أن الجواب لم يكن يومًا هناك، بل هنا، في داخلي؟

 

لعلها حكمة الموت… أو لعلها الحياة ذاتها، تهمس لي من حيث لا أدري.

 

مرت أيامٌ طويلة بعد تلك الليلة، لم أكن أذكر خلالها إلا صدىٰ تِلك الكلمات التي انحفرت في أعماقي

صِرت أبحث في وجوه الناس عن معنىٰ الحياة، أترقب في ضحكات الأطفال وفي نظرات العجائز إجابةً شافية

هل كانوا يدركون ما لم أدركه؟

 

في يومٍ ما، وجدتُ نفسي جالسًا أمام شيخٍ طاعن في السن، عيناه تغرقان في ذكريات بعيدة

كأن الزمن قد حفر أخاديده علىٰ وجهه؛ ليخبرني أن الحياة ليست كما نظن. سألته، دون أن أفكر:

“يا شيخ، كيف ترىٰ الحياة؟”

ابتسم ابتسامة شاحبة، ثم قال بصوتٍ هادئ كأنه يهمس لي بحقيقة كونية لا يدركها الجميع:

“الحياة؟ هي التي تتغير حين تراها بعين مختلفة، هي ليست ظالمة ولا عادلة

لكنها تمضي كيفما نشاء نحن أن نمضي فيها.. أتظن أني قضيتُ عمري في الحزن؟

كلا، بل كنتُ أرى الجمال في أدق التفاصيل، في كوب شايٍ مع صديق، في حديثٍ عابر مع غريب

في لمسة حنانٍ من حفيدي، والحياة يا بني لا تكمن في الأحداث الكبيرة

بل في تلك اللحظات الصغيرة التي تمر دون أن ننتبه إليها.”

 

توقفتُ عند كلماته، شعرتُ كأنها مفتاحٌ لبابٍ ظل مغلقًا في روحي طويلًا، لطالما اعتقدتُ أن الحياة تحتاج إلىٰ مُعجزةٍ كي تتغير

لكن ماذا لو كانت المعجزة في طريقة رؤيتي لها؟ ماذا لو كان عليّ أن أكون أنا التغيير الذي أبحث عنه؟

 

أطرقتُ مفكرًا، ثم سألته بصوتٍ مشوب بالحيرة: “لكن يا شيخ، كيف لي أن أتحرك للأمام وأنا مثقلٌ بكل هذه الأحمال؟

كيف أنتقم من الحياة التي أرهقتني، وأثأر لكل لحظةٍ شعرتُ فيها بالعجز؟”

 

ضحكَ ضحكةً هادئة كأنها تعيدني إلىٰ الواقع بِرفقٍ ولين، وقال: “تثأر من الحياة ؟!

بل عليكَ أن تثأر لنفسكَ من نفسك !

أتعلم كيف؟ أن تنهض كلما تعثّرت، أن تجعل من سقوطك درسًا، ومن ألمك قوة، ومن ضعفك دافعًا.

الحياة لا تُهزم، لكنك قادرٌ علىٰ أن تجعلها تعمل لصالحك، أن تجعل كل ما كان ضدك سببًا في صعودك

وأعظم الثأر من الحياة أن تبلغ مراتب العُلا، أن تعلو بها لا أن تغرق فيها يا بُني.”

 

أحسستُ بحرارة كلماته تتسلل إلى قلبي فتدفئه، وكأنها توقظ شيئًا غافلًا داخلي، نظرتُ إليه بتساؤل

فأكمل بِما أشعل همتي:”أما العمل للأخرة؛ فهو الثأر الأعظم، هو النصر الحقيقي..

نحن لا نعيش لنبني قصورًا زائلة، بل لنبني لأنفسنا دارًا لا تزول، فكيف تطلب المعنىٰ مِن الحياة،

وأنت لم تبحث عنه في الذي خلقها؟ كيف تريد أن تفهم سِرَّها،

وأنت لم تسأل الذي جعلها دار اختبارٍ لا دار قرار؟ إن أردتَ أن ترتقي، فاجعل خطواتك للّـه،

اجعل سعيك في الدنيا زادًا للآخرة، عندها فقط ستجد معنىٰ الحياة، ولن تكن من الذين ضل سعيهم في الحياةِ الدُنيا”

 

كلماته زلزلتني، لكنها ثبّتتني في الوقت ذاته، شعرتُ أنني كنتُ أبحث في المكان الخطأ،

كنتُ أنظر إلى الحياة من زاوية ضيقة، بينما كان عليّ أن أنظر إليها من منظورٍ أوسع،

منظور من يؤمن أن كل شيءٍ هنا زائل، وأن العبرة ليست بما نأخذ، بل بما نترك،

ليست بما نكسب، بل بما نعطي، ليست بطول العمر، بل بعمق الأثر.

 

الحياة؟ ليست سِوىٰ طريق، جسرٌ نعبره، لكنه ليس المستقر.. ظنناها الغاية فشغلَتنا عن الحقيقة الكبرىٰ، فركضنا خلفها،

تشبثنا بها، فأتعبتنا وأوهنتنا، كم مرة ظننا أن السعادة في مالٍ، أو منصبٍ، أو مكانة،

فوجدناها وهمًا يتبدد؟ كم مرة سعينا خلف الأحلام حتىٰ إذا أدركناها، لم نجد فيها ما توقعناه؟

 

لكن ما لم ننتبه إليه أن هناك حياةً أخرىٰ، حياةً لا تخذل مَـن سعىٰ لها، ولا تخيب مَـن بذل عمره من أجلها،

حياةً وعد اللّٰه بِها عباده المخلصون في عبادته، حيث لا ألمٌ، ولا فقدٌ، ولا وداع،

حيث النعيم الذي لا ينفد، حيث الخلود الذي لا ينتهي.

 

أمّا نصيحتي لَك أيُها القارئ، لا تنشغل بالدنيا فتغفل عن الآخرة، لا تجعل سعادتك في يد ما هو فانٍ،

فتخسر ما هو باقٍ، لا تركض خلف السراب وتنسىٰ النبع الصافي، لا تجعل الدنيا أكبر هَمك،

بل اجعلها زادًا لدارٍ لا موت فيها، لا حزن فيها، لا خيبة فيها.

 

السعي الحقيقي ليس أن نبني لأنفسنا اسمًا هنا، بل أن نترك أثرًا هنـا يشفع لنا هُنـاك،

ليس أن نحيَا طويلًا، بل أن نحيا للّـهِ، ليس أن ننتقم من الحياةِ، بل أن نستثمرها في ما ينفعنا حين نقف بين يد اللّٰه ،

يوم لا ينفع مالٌ، ولا جاهٌ، ولا مجد، إلا من جاء بقلبٍ سليم..

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *