...
Img 20250619 wa0035

كتبت منال ربيعي

 

(بصوت مري كا رع… الملك الذي ورث المأساة وكتب بالعدل بداية الخلاص…)

 

“أنا مري كا رع، ابن خيتي، من نسل ملوك أهناسيا… وُلِدتُ في زمنٍ كانت فيه مصر تمشي حافيةً على شوك الفوضى

تتنفس الرماد، وتبحث عن ظل رع فلا تجده. لم أكن وارثًا لعرش مجد، بل لعروش من تراب

ولأرضٍ تئن من ظلم الطغاة ومن جراح ملوك لا يسمعون.”

 

“لكني، رغم كل هذا… كنتُ أُصغي. جلستُ إلى جوار أبي، خيتي الحكيم، وهو يخطّ على البردي تعاليمه

لا ليحكم بي، بل لأُصلح بها ما تهدم. لم يُورثني سيفًا، بل فكرة… وصايا لا تُسلّط، بل تُزرَع.”

 

—“لا تظلم، فالماعت لا تسكن قلبًا ظالمًا

لا تُهمل المعبد، فالآلهة لا تُبارك ملكًا بخيلًا على النور

لا تغتر بالنسب، بل انظر للكفاءة، واجعل الفضل هو نسبك الأول”

 

“بهذه الكلمات، شققتُ طريقي، لا على صهوة الحرب، بل على صهوة العقل. كنتُ ملكًا حاكمًا

لكني كنتُ تلميذًا أولاً… تلميذًا في مدرسة الماعت. أقمْتُ العدل لا في القوانين فقط، بل في النفوس.

 

أصلحتُ القضاء، وكتبتُ على بواباته: ‘من دخلَ هنا، فالحق وليّه’.

أعدتُ للمعبد حرمته، وأطلقتُ للكهنة حريتهم، فجعلوا صلواتهم سورًا يحمي المملكة من لعنات السماء.

في الريف، حفرتُ القنوات، ورفعتُ الضرائب عن القرى الجائعة، فاستعادت السنابل بريقها

وأزهرت البيادر بعد جوع طويل.

نقيتُ جهاز الحكم من الفاسدين، ورفعتُ من شأن الحكماء ولو كانوا أبناء الفقراء

فصار العدل هو التاج الحقيقي في رؤوسهم.

 

“لكنني لم أكتفِ بالحكم. أردتُ أن تظلّ كلمتي حيّة، فصغتُ أنا أيضًا وصايا

يأمليتُها على ولدي، كما أملاها أبي عليّ. قلتُ له:

‘يا بني، إن الماعت لا تُورَّث، بل تُفهم.

لا تكن ملكًا على الناس، بل ملكًا على نفسك أولًا.

دع الناس يرَونك نهرًا… إن جرى عدلت، وإن فاض رحمت.'”

“وهكذا، لم تكن وصاياي كلمات تموت بل كانت بذورًا. نبتت في قلب ابني، ونبتت في الشعب، وصارت لاحقًا أدبًا

نعم، أنا شرارةُ البداية لما عُرف فيما بعد بأدب الوصايا في مصر.

من وصاياي وُلدت تعاليم ‘أمنمحات’، وكتب الكُتّاب عن الملوك العادلين، وعن حكمة الزمن

وعن صوت الضمير في بلاط الملك.”

**”أنا مري كا رع… كنتُ بدايةً خافتةً في آخر زمن الانقسام، لكن صداي عبرَ الزمان…

وما إن مضيتُ عن هذا العالم، حتى توحّدت مصر

لا بالسيوف فقط، بل بالضمائر التي سقيناها أنا وأبي.

 

المنتوحتب لم يكن إلا ثمرةً من شجرتنا، شجرةٍ رويناها بالعدل

وسهرنا على ظلها…

وهكذا، نهضت الدولة الوسطى من رماد أهناسيا، لكن في قلبها…

كانت نار الماعت التي أوقدناها.”**

 

“فلا تسأل عن تمثال لي، ولا عن هرم باسمي…

أسأل عن أثر تعاليمي، عن قاضٍ أنصف فقيرًا، عن ملك قرأ وصيتي

عن شعبٍ لم ينسَ أن مصر لا تقوم إلا بالعدل.

أنا مري كا رع… أنا الوصية التي لا تموت.”

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *