الكاتبة: عاليا عجيزة
تابعت نزولها عبر المنحدرات الصخرية الوعرة بخطوات أسرع وثابتة، تسبقها نبضات قلبها الذي طالما اشتاق إلى هذا الانعتاق، حتى لامست قدماها تراب الساحل الفسيح، حيث يستقر الميناء القديم. كانت رائحة الملح واليود تملأ الأجواء البحرية، وتتداخل بانسجام مع أصوات النخيل العالي المتموجة مع نسيم البحر العليل. لم تكن تشبه شيئًا من سكان الميناء أو عابريه؛ فقد كان ثوبها الأبيض ينساب كغيمة خفيفة تلامس الحصى بحنو، لكن ملامح وجهها المتحررة وخطواتها الواثقة كانتا تعكسان قوة داخلية عميقة لا تخطئها العين، كأنها وُلدت من جديد خارج أسوار العزلة والظلام.
على رصيف الميناء الحجري العتيق، كانت السفن الخشبية الكبيرة ترفرف أشرعتها البيضاء استعدادًا للإبحار نحو آفاق بعيدة ومجهولة. توقفت عند حافة المرسى، ناظرة بتمعن إلى انعكاس السماء الصافية على صفحة الماء الممتدة بلا حدود، وكأنها تستقرئ مستقبلها في هذا الأفق الواسع. وبينما كانت تتأمل حركة البحارة، اقترب منها رجل مسن ذو لحية بيضاء كثيفة وعينين تحملان خبرة السنين ووقار البحار المخضرم، وكان يبدو قبطان إحدى السفن الراسية الكبرى. نظر إليها بتمعن، متسائلًا بفضول واحترام، ثم ابتسم بوقار وقال بصوت خشن دافئ:
«يبدو أنكِ جئتِ من مسافة بعيدة جدًا، يا أيتها المسافرة، فهل تبحثين عن مرسى تستقرين فيه بعد تعب السنين، أم أنكِ تسعين خلف رحلة بلا عودة؟»
أجابت بصوت هادئ يملؤه الرزانة ويحمل نبرة اليقين والحرية المطلقة:
«أنا أبحث عما هو أبعد من المرسى والمرافئ المألوفة… أبحث عن أفق جديد لا تحده الجدران الحجرية ولا تقيده أسرار القصور المظلمة».
أومأ القبطان برأسه بإجلال شديد، كأنه فهم عمق رحلتها وماضيها، وأشار بيده نحو السفينة الكبرى الراسية أمامه، والتي تحمل اسم «نسمة الأفق»، عارضًا عليها مقعدًا آمنًا بين المسافرين الباحثين عن بداية جديدة. لم تتردد لحظة واحدة؛ صعدت على متن السفينة برشاقة، ووقفت عند مقدمتها، ناظرة إلى الميناء الحجري وهو يبتعد تدريجيًا خلفها ليصبح أثرًا بعد عين.
كانت تدرك تمامًا أن رحلتها قد تجاوزت حدود القصر والدهاليز والقرى الصغيرة، لتتحول إلى رحلة اكتشاف شاملة للذات وللعالم الواسع الفسيح. استندت بيديها إلى سور السفينة الخشبي المصقول، وشعرت برياح البحر تداعب خصلات شعرها بحرية تامة لم تهنأ بها قط، كأن الطبيعة نفسها تبارك خطوتها الجريئة
نحو المجهول الجميل.
![]()
